أكد شريف بشارة الرئيس التنفيذي لمجموعة محمد وعبيد الملا والرئيس التنفيذي لمجموعة المستشفى الأمريكي، أن حماية المريض وسمعة القطاع الصحي مسؤولية مشتركة، وأن الشفافية الحقيقية تقتضي إعلان الأخطاء والتعامل معها بدلاً من إخفائها. جاء ذلك خلال جلسة «اتصال حكومي.. محوره الإنسان»، ضمن أعمال قمة الإعلام العربي 2026 في دبي، وأدارها حامد بن كرم، رئيس تحرير صحيفة «البيان»، وناقشت العلاقة بين الإعلام والقطاع الصحي، ودور الاتصال في إدارة الوعي الصحي، وملفات العلاج في الخارج والتأمين الصحي وإدارة السمعة والشكاوى، وصولاً إلى مستقبل العلاقة بين المؤسسات الصحية والمنصات الإعلامية.
وأكد بشارة أن القطاع الصحي لا يمكن أن ينظر إلى علاقته بالإعلام باعتبارها علاقة تجارية تقاس بالمكسب والخسارة المباشرين، موضحاً أن الصحة «صناعة واستثمار»، لكن التعامل معها بمنطق التجارة وحده يؤدي إلى اختزال كثير من المبادرات في سؤال واحد: ماذا سنكسب وماذا سنخسر؟
وأضاف، أن المؤسسات الصحية مطالبة بالنظر إلى الصورة الأوسع، خصوصاً أن الإعلام يؤدي دوراً مباشراً في تشكيل وإدارة الوعي الصحي للمجتمع، ومن ثم فإن مساهمة القطاع الصحي في دعم إعلام مهني قادر على تقديم المعلومات الطبية الصحيحة ليست مسألة دعائية، وإنما جزء من مسؤوليته تجاه المجتمع.
وشدد بشارة على أن تجربة دبي تقدم نموذجاً مختلفاً في العلاقة بين القطاعين الحكومي والخاص، قائلاً إنه في دبي لا ينبغي النظر إلى القطاعين باعتبارهما مسارين منفصلين عندما يتعلق الأمر بالأهداف الاستراتيجية للإمارة.
وأوضح أن ما يميز دبي هو قدرة القطاعين الحكومي والخاص على التحرك ضمن توجه واستراتيجية مشتركة، لافتاً إلى أن المؤسسة الصحية الخاصة عندما تتحدث عن استراتيجية الصحة في دبي لا يفترض أن تقدم رؤية تتعارض مع التوجه العام، لأن الهدف النهائي واحد، وهو الارتقاء بجودة القطاع الصحي وتعزيز مكانة الإمارة.
وأكد أن المسؤولية عن سمعة القطاع الصحي لا تقع على الجهات الحكومية وحدها أو المستشفيات وحدها، قائلاً إن «سمعة الصحة في دبي مسؤوليتنا، وسمعة الصحة في الإمارات مسؤوليتنا»، وهو ما يتطلب الانتقال من المنافسة المؤسسية الضيقة إلى مفهوم أوسع يقوم على حماية المريض وجودة المنظومة بأكملها.
وحول ملف العلاج في الخارج، بين بشارة أنه يجب أن تكون هناك استراتيجية دقيقة تحدد آليات اختيار الجهات الطبية والأطباء الذين يتلقى المرضى العلاج لديهم، بدلاً من التعامل مع السفر للعلاج باعتباره هدفاً في حد ذاته.
وقال، إنه مثلما توجد داخل المستشفيات أجهزة وأنظمة لقياس جودة العلاج، فإن الحاجة قائمة إلى جهاز يتابع ويقيس جودة العلاج خارج الدولة للمرضى الذين يتم ابتعاثهم للعلاج، مشيراً إلى أن قرار السفر وحده لا يضمن الحصول على رعاية أفضل.
وحذر من الاعتقاد بأن مجرد التوجه إلى دولة معروفة طبياً يعني تلقائياً الوصول إلى أفضل علاج، موضحاً أن المستشفى الواحد قد يضم عشرات أو مئات التخصصات، ولكل تخصص مستويات مختلفة من الخبرات، كما تختلف النتائج من طبيب إلى آخر.
وأضاف، أن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون: «إلى أي دولة سيسافر المريض؟»، وإنما: إلى أي مستشفى؟ وفي أي تخصص؟ ولدى أي طبيب؟ وما نتائج هذا الطبيب؟ وهل يمثل بالفعل الخيار الأفضل للحالة؟
وأكد أن هذه التفاصيل تجعل إدارة العلاج في الخارج «منظومة لا تقل أهمية عن منظومة الصحة نفسها»، الأمر الذي يستدعي استراتيجية واضحة جداً للعلاج في الخارج، تبدأ من تقييم الحالة واختيار الوجهة الطبية المناسبة، ولا تنتهي إلا بمتابعة النتائج وجودة الرعاية التي حصل عليها المريض.
وأشار بشارة إلى أن أحد المعايير الأساسية لنضج المنظومة الصحية يتمثل في قدرة المؤسسات على إحالة المريض إلى الجهة الأكثر كفاءة لعلاجه، حتى وإن كانت مؤسسة أخرى، بدلاً من الاحتفاظ به لأسباب مالية.
وأوضح أنه إذا وصل إلى المستشفى الأمريكي مريض يحتاج إلى إجراء لا تتوافر فيه الخبرة المطلوبة، بينما توجد الخبرة في مستشفى آخر، فإن المسؤولية الطبية تقتضي تحويله إلى المكان الذي يستطيع تقديم الرعاية الأفضل له. وأكد أن المريض يجب أن يكون محور القرار، وليس العائد المالي للمؤسسة، محذراً من أن تقديم المصالح التجارية على المصلحة الطبية للمريض يضر بالمنظومة الصحية ككل.
وكشف أن المستشفى الأمريكي استقبل حالات قادمة من ألمانيا بعد أن اعتُبرت فرص علاجها محدودة، وتمكنت من تلقي العلاج في دبي، من بينها شخصيات معروفة، من دون الكشف عن هوياتها حفاظاً على الخصوصية، معتبراً أن هذه الحالات تؤكد أن جودة العلاج لا يمكن اختزالها في اسم الدولة، وإنما ترتبط بالتخصص والطبيب والخبرة الطبية المتاحة.
وفي رده على تساؤل حول الاعتقاد السائد لدى البعض بأن السفر إلى دول آسيوية أو غيرها قد يوفر رعاية أفضل، أقر بشارة بأن هناك أسباباً تجعل بعض السكان لا يمنحون النظام الصحي المحلي ثقة كاملة، موضحاً أن بعض المؤسسات تقدم جميع الخدمات بالجودة المطلوبة، فيما لا يتحقق المستوى ذاته في أماكن أخرى.
لكنه شدد على أن السفر في حد ذاته ليس ضماناً للجودة، لافتاً إلى وجود مرضى يسافرون إلى الخارج ثم يعودون بمضاعفات خطيرة نتيجة اختيار مؤسسة أو طبيب بناء على الدعاية أو انخفاض التكلفة، وليس وفق معايير الجودة والخبرة والنتائج الطبية.
ومن هنا، أكد أهمية وجود منظومة رقابية ومعلوماتية تساعد المريض على اتخاذ القرار الصحيح، سواء كان علاجه داخل الدولة أو خارجها، لأن المعيار يجب أن يكون جودة الخدمة وسلامة المريض وليس شهرة الوجهة.
ووضع بشارة الشفافية في مقدمة الأدوات التي تحتاج إليها المؤسسات الصحية لبناء الثقة، مؤكداً أن إدارة السمعة لا تعني إخفاء السلبيات، وإنما امتلاك الشجاعة لإظهار الأخطاء والتعامل معها. وقال: «لكي تكسب مصداقية القارئ أو المريض، أبرز أخطاءك ولا تخفها»، مشيراً إلى أن حذف التعليقات السلبية أو محاولة إخفاء المشكلات على المنصات الرقمية لا يصنع سمعة قوية، بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية.
وأوضح أن منصات المستشفى الأمريكي تترك الملاحظات والانتقادات ظاهرة، ويتم التعامل معها من خلال فرق مختصة تتواصل مع صاحب الشكوى وتتحقق من تفاصيلها وتسعى إلى حلها. وأكد أن بعض الشكاوى تكون حقيقية وتتطلب معالجة فورية، فيما قد تكون شكاوى أخرى ناتجة عن سوء فهم أو يكون الخطأ فيها من الطرف الآخر، وهنا تصبح العدالة هي الأساس، فلا يجوز إهدار حق الموظف لإرضاء صاحب شكوى، كما لا يجوز الانحياز إلى الموظف على حساب حق المريض.
وكشف بشارة أن المستشفى الأمريكي يتقدم بنفسه بشكاوى إلى الجهات الصحية المختصة بحق أطباء في حال رصد أخطاء طبية تستوجب التحقيق، مؤكداً أن إنهاء علاقة الطبيب بالمستشفى وحده لا يكفي لحماية المجتمع.
وأوضح أن الطبيب إذا ارتكب خطأ يستدعي المساءلة ثم غادر المؤسسة ببساطة، فقد ينتقل إلى مستشفى آخر ويواصل علاج المرضى، وبالتالي فإن المشكلة لم تُحل، وإنما انتقلت من مؤسسة إلى أخرى.
وقال، إن المسؤولية تتجاوز حدود المستشفى والمريض الموجود داخله إلى حماية المجتمع كله، مشدداً على أن سلامة الناس تسبق حماية الصورة المؤسسية، وأن القطاع الصحي يحتاج إلى ثقافة تعتبر الإبلاغ عن الخطأ وسيلة لتصحيح المنظومة وليس تهديداً لسمعة المؤسسة.
وتطرقت الجلسة إلى دور شركات التأمين في رفع كفاءة الخدمات الصحية أو التأثير فيها، إذ وصف بشارة المنظومة بأنها تقوم على ثلاثة أطراف رئيسة: المستشفيات التي تقدم الخدمة، والجهة التنظيمية أو الإدارية، وشركات التأمين التي تؤدي دوراً أساسياً في التمويل.
وأوضح أن شركات التأمين ليست طرفاً هامشياً في القطاع، إذ إن التمويل يمثل أحد أعمدة استدامة الخدمات الصحية، ولذلك فإن كفاءة العلاقة بين الأطراف الثلاثة تنعكس بصورة مباشرة على جودة الخدمة المقدمة للمريض.
وأكد أن أي تطوير حقيقي للقطاع يجب أن ينظر إلى هذه الأطراف باعتبارها أجزاء مترابطة في منظومة واحدة، بحيث لا يتحول التمويل إلى عامل يحد من جودة الرعاية، ولا تتحول الخدمة الصحية إلى قرار تجاري منفصل عن احتياجات المريض.
وفي محور الإعلام، أكد بشارة أن التحول الرقمي لا يعني انتهاء المؤسسات الصحفية، وإنما تغير الوسيلة التي تصل من خلالها إلى الجمهور، مفرقاً بين انتهاء النسخة الورقية وانتهاء المؤسسة الإعلامية نفسها.
وأشار، رداً على سؤال بن كرم حول جدوى الإعلان في الصحف مع تراجع النسخ المطبوعة، إلى أن المؤسسة لا تعلن بالضرورة في «ورقة»، وإنما في منصة إعلامية تمتلك اسماً وتأثيراً وثقة وجمهوراً.

