أكدت معالي نورة بنت محمد الكعبي، وزيرة دولة، خلال الجلسة الحوارية «الإعلام والدبلوماسية في عالم متغير»، التي أدارها الإعلامي عبدالعزيز درويش، أن البحث عن نقاط الالتقاء يمثل جوهر الدبلوماسية العامة، موضحة أن الوصول إلى اتفاق شامل بين جميع الأطراف قد يكون صعباً، لكن إيجاد نوافذ للتواصل ومساحات مشتركة بين الشعوب يظل ممكناً، عبر الثقافة والموسيقى والفنون وغيرها من أدوات التقارب الإنساني.
وأشارت إلى أن البحث عن نقاط الالتقاء يمثل جوهر الدبلوماسية العامة، موضحة أنه من المستحيل الوصول إلى اتفاق شامل بين جميع الأطراف، لكن يمكن دائماً البحث عن نافذة للتواصل ومساحة مشتركة تجمع الشعوب، سواء عبر الثقافة أو الموسيقى أو الفنون أو غيرها من المجالات التي تساعد على تقريب المسافات.
وأضافت: تمثل الدبلوماسية العامة نافذة مهمة لبناء هذه الجسور، انطلاقاً من إيمان دولة الإمارات بأهمية النظر إلى المصالح المشتركة مع مختلف الدول، والعمل على تحديد المساحات التي يمكن البناء عليها وتعزيزها، مشيرة إلى أن نجاح الدبلوماسية العامة يكمن في القدرة على إيجاد نافذة للتواصل عندما تضيق الأبواب السياسية.
وأوضحت معاليها، أن زيارتي إلى سوريا خلال الشهر الماضي شكلت فرصة لاستعادة التواصل مع بلد يحمل تاريخاً عريقاً وذاكرة ثقافية وحضارية ممتدة، مشيرة إلى أن زيارتها للجامع الأموي، بعد 20 عاماً، بما يحمله من تاريخ وهوية، تكشف في الوقت نفسه عن رؤية جديدة للمستقبل، وتفتح المجال أمام البحث عما يمكن أن يجمع الإمارات وسوريا في هذه المرحلة.
وأشادت بالمبادرة الإماراتية السخية لترميم الجامع الأموي، مؤكدة أن المشروع لا يقتصر على ترميم مبنى تاريخي، وإنما يمثل إسهاماً في صون الذاكرة السورية والعربية والإنسانية، والحفاظ على إرث ثقافي يتجاوز حدود المكان والدولة.
وأعربت عن أملها في الاحتفاء قريباً بهذا المشروع، باعتباره نموذجاً لما يمكن أن تصنعه الثقافة من جسور بين الشعوب، وما يمكن أن تضيفه المبادرات الإنسانية إلى العلاقات بين الدول.
وشددت الكعبي، أن العالم العربي، رغم تنوعه واختلاف مجتمعاته، يمتلك الكثير من القواسم المشتركة، مؤكدة ضرورة التعامل مع الثقافة باعتبارها سردية مستمرة وليست مجموعة من الفعاليات أو المناسبات المنفصلة، مؤكدة أن الحديث عن الثقافة لا ينبغي أن يرتبط بحفلة أو حدث أو زيارة شخصية، لأن بناء صورة الدولة وتعريف الآخرين بقيمها وثقافتها يحتاج إلى عمل متواصل، مشيرة إلى أن الدور الحكومي ينبغي أن يركز على التسهيل وتهيئة البيئة التي تتيح للفنان والمبدع والباحث والرياضي والطاهي والعالم وغيرهم أن يكونوا سفراء طبيعيين لبلدانهم.
وأشارت إلى أهمية استمرار الشراكات البحثية والعلمية والثقافية والفنية، إلى جانب الدعم والتسهيل الحكومي، بما يضمن ألا تكون المبادرات مؤقتة، وإنما تتحول إلى علاقات مستدامة قادرة على إنتاج مزيد من التعاون والتفاهم.
وأكدت الكعبي، أهمية منح الشباب مساحة للتعبير والحوار، مع ترسيخ المسؤولية والأخلاقيات في صناعة المحتوى، وشددت على أن أحد التحديات التي يواجهها العالم يتمثل في التطرف والأيديولوجيات والعنصرية، مؤكدة أن تجربة الإمارات منذ تأسيس الاتحاد قامت على التعايش والتراحم واحترام مختلف الجنسيات والمعتقدات والأديان، كما أن المطلوب من الشباب ليس فقط إنتاج محتوى جميل وجذاب، وإنما إنتاج محتوى يقوم على الأخلاقيات، ويسهم في كسر الصور النمطية والقوالب الجاهزة التي توضع فيها المجتمعات العربية.
وأكدت معاليها، أن العالم العربي غني بالتنوع والقصص والتجارب، وإن مسؤولية الجيل الجديد تتمثل في كسر هذه القوالب، ولكن بطريقة إيجابية ومفيدة، تتيح للناس الاستمتاع بما يحبونه، وفي الوقت نفسه تقدم صورة أكثر اتساعاً وتنوعاً عن مجتمعاتهم.
واستشهدت الكعبي، بتنظيم دولة الإمارات إكسبو 2020 دبي نموذجاً لقدرة المبادرات الكبرى على بناء جسور التواصل، موضحة أن استضافة حدث عالمي بهذا الحجم خلال ظروف استثنائية مثل جائحة «كوفيد-19» أتاح للإمارات فرصة لتعريف العالم بتجربتها، وفي الوقت نفسه التعرف إلى شعوب وثقافات مختلفة.
وأشارت إلى أن نجاح الدبلوماسية العامة في مثل هذه الفعاليات يرتبط بقدرة الدولة على فهم جمهورها، واختيار الأدوات التي تتناسب معه، مشيرة إلى تجربة مشاركة شباب إماراتيين يتقنون العربية والإنجليزية واليابانية في فعاليات دولية مثل إكسبو أوساكا، إلى جانب وجود شباب يابانيين عاشوا في الإمارات، بما يسهم في بناء جسور إنسانية وثقافية حقيقية بين البلدين.
وشددت على أن فهم الجمهور يمثل شرطاً أساسياً لنجاح التواصل، خصوصاً في ظل اختلاف المنصات الرقمية وطرق استهلاك المحتوى من مجتمع إلى آخر، لافتة إلى أن الشباب هم الأكثر قدرة على فهم هذه التحولات، لأنهم يعيشونها ويستخدمون أدواتها يومياً.
وأشارت إلى أن الخوارزميات والمنصات الرقمية يمكن أن تكون أداة للمنفعة والضرر في آن واحد، إذ تتيح الوصول إلى جمهور واسع، لكنها قد تدفع في المقابل إلى الانغلاق داخل مجموعات متشابهة في الأفكار والمواقف، مؤكدة أن هذا الأمر يظهر بوضوح في القضايا السياسية، حيث قد تتحول الاختلافات في الرأي إلى خلافات بين الأصدقاء أو حتى داخل المجتمعات، كما أن الخلاف السياسي بطبيعته مؤقت، بينما الجسور الإنسانية والثقافية يمكن أن تستمر، مؤكدة ان المطلوب هو بناء جسور قادرة على البقاء حتى في أوقات الاختلاف، بحيث لا تتحول التباينات السياسية إلى قطيعة بين الشعوب، وإنما تظل هناك مساحات للحوار والتواصل.
وأكدت الكعبي، أن الانفتاح على الحوار لا يعني غياب الضوابط، موضحة أن هناك خطاً أحمر يتمثل في أمن الدولة وأمن المجتمع، وهو أمر واضح وثابت، لكن في إطار ذلك يمكن دائماً فتح مساحات للحوار، مشيرة إلى أن الاختلاف أمر طبيعي، ومن المستحيل أن يجتمع جميع الموجودين حول طاولة واحدة على الرأي نفسه، لكن الهدف ليس الوصول إلى تطابق كامل في المواقف، وإنما البحث عن «جسر» أو «نافذة» يمكن من خلالها التواصل.

