الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار شريك لا بديل عن الصحافي

دبي - نورا الأمير ورحاب حلاوة

لم يعد حضور الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار سؤالاً يتعلق بقبول استخدامه أو رفضه، بعدما تحولت أدواته إلى جزء من بيئة العمل الإعلامي اليومية، وأصبحت حاضرة في البحث وجمع المعلومات وتحليل البيانات والتفريغ والترجمة، وحتى صياغة المحتوى، وإنتاج الصور والفيديوهات.

لكن اتساع هذا الحضور يفتح في المقابل أسئلة مهنية وأخلاقية، تتجاوز حدود التقنية نفسها، لتصل إلى جوهر العمل الصحافي، ودور الإنسان في إنتاج المعرفة والتحقق منها، وتحمل مسؤولية ما ينشر.

ويُجمع إعلاميون وباحثون وخبراء في الذكاء الاصطناعي، تحدثوا على هامش «قمة الإعلام العربي» لـ«البيان»، على أن التحدي لم يعد في وجود هذه الأدوات، وإنما في الطريقة التي تستخدم بها، والحدود التي ينبغي أن تقف عندها داخل المؤسسات الإعلامية، محذّرين من أن الاعتماد غير المنضبط عليها.

قد يؤدي إلى تراجع مهارات الصحافي الأساسية، وإنتاج معلومات ناقصة أو مشوهة أو مفبركة، فضلاً عن تنميط المحتوى، وتراجع البصمة الإنسانية التي تمنح العمل الصحافي قيمته وخصوصيته.

وفي المقابل، يرى المتحدثون أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه خصماً للمهنة، ليس هو الحل، إذ يمكن لهذه التقنيات أن توفر للصحافي وقتاً وجهداً كبيرين، وتساعده في البحث وتحليل كميات واسعة من المعلومات، والوصول إلى المعرفة بصورة أسرع، شرط أن يبقى في موقع الباحث والمدقق والمحلل، وصاحب القرار التحريري.

وتتفق الآراء على أن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً مهنياً لا مفر منه في غرف الأخبار، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية توظيفه كأداة مساعدة، تعزز كفاءة الصحافي، من دون أن تمس دوره الجوهري في التحقق والتحليل وصناعة المحتوى ذي البصمة الإنسانية.

وتبقى الضمانة الأساسية في وضع أطر مهنية واضحة، وتدريب الصحافيين على الاستخدام المسؤول، والإبقاء على المسؤولية التحريرية في يد الإنسان، لأن المصداقية والحكم المهني والمسؤولية أمام الجمهور، تظل مسؤولية إنسانية لا يمكن تفويضها للخوارزميات.

ضوابط مهنية

وأكدت الإعلامية والكاتبة البحرينية منى علي المطوع، أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار بات واقعاً لا يمكن تجاهله، لكنه يفرض ضرورة وضع ضوابط مهنية واضحة لاستخدام الصحافيين لهذه الأدوات، لضمان بقاء الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة للصحافي.

وليس بديلاً عن دوره في البحث والتحقق والتحليل وصناعة المحتوى المهني. وقالت إن الاستخدام المفرط وغير المنضبط للذكاء الاصطناعي، قد يقود إلى إضعاف المهارات الأساسية للصحافي.

وفي مقدمها صياغة الأسئلة الدقيقة، والبحث عن المعلومة من مصادرها الأصلية والتحقق منها، وبناء العلاقات مع المصادر، والتمييز بين الخبر الحقيقي والمحتوى المضلل.

وأضافت أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية نفسها، بل في تحول الصحافي من صانع للمحتوى، إلى مجرد ناقل لما تنتجه الخوارزميات، بما قد يقود إلى تشابه المواد الصحافية، وفقدانها العمق والبصمة الإنسانية والمهنية.

وأوضحت المطوع أن الضوابط المطلوبة ينبغي أن تبدأ بعدم اعتماد أي معلومة أو رقم أو اقتباس ينتجه الذكاء الاصطناعي، قبل الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق منه.

وعدم استخدامه لاختلاق تصريحات أو مصادر أو وقائع، مع حماية البيانات والمعلومات السرية، وعدم إدخال الوثائق الحساسة أو بيانات المصادر في أدوات غير مأمونة.

وشددت على ضرورة إخضاع أي مادة أسهم الذكاء الاصطناعي في إعدادها للمراجعة البشرية الكاملة قبل النشر، خصوصاً في القضايا السياسية والقانونية والإنسانية.

مؤكدة أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بوضع سياسات داخلية، تحدد ما يجوز للصحافي استخدام الذكاء الاصطناعي فيه وما لا يجوز، وتدريب العاملين على اكتشاف الأخطاء والتحيزات والمحتوى المصطنع.

وأكدت أن المسؤولية التحريرية تبقى دائماً في يد الإنسان، بحيث يبقى الصحافي والمحرر مسؤولين عن كل كلمة تنشر، مهما كانت الأداة التي ساعدت في إنتاجها، مضيفة أن التحدي الحقيقي هو بناء صحافي يعرف كيف يستفيد من الذكاء الاصطناعي، من دون أن يفقد أدواته المهنية.

وشددت على أن «الذكاء الاصطناعي يمكن أن يختصر الوقت، لكنه يجب ألا يختصر الصحافة نفسها»، لأن المصداقية والحكم المهني والمسؤولية أمام الجمهور، تظل مسؤولية إنسانية لا يمكن تفويضها للخوارزميات.

حماية المهنة والجمهور معاً

وأكدت الدكتورة رانية عبدالله، عميد كلية الاتصال والإعلام في جامعة العين، أن السؤال اليوم لم يعد ما إذا كان الصحافي سيستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا، بعدما أصبحت هذه الأدوات جزءاً من بيئة العمل الإعلامي.

وإنما يتمثل التحدي في كيفية ضمان استخدامها بصورة مهنية وأخلاقية، بما يمنع تحول السرعة والكفاءة التي توفرها إلى عامل يهدد الثقة بالمحتوى الصحافي.

وقالت إن المؤسسات الإعلامية بحاجة إلى أطر تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي ليس بهدف تقييد الصحافي وإنما لحماية المهنة والجمهور معاً.

موضحة أن هذه الأطر يجب أن تحدد مسؤولية الصحافي والمؤسسة عن أي محتوى يتم إنتاجه أو تعديله أو دعمه بواسطة أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب وضع قواعد للإفصاح، والتحقق من المعلومات، وحماية المصادر والبيانات، وحقوق الملكية الفكرية.

وأوضحت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم بفاعلية في تحليل البيانات، وتفريغ المقابلات، ورصد الاتجاهات، وتسريع بعض العمليات التحريرية، لكنه لا يمتلك الحس التحريري.

ولا يستطيع دائماً فهم السياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية بالعمق نفسه الذي يمتلكه الصحافي المتمرس، لذلك يجب أن يبقى القرار التحريري النهائي بيد الإنسان. وأضافت أن المطلوب ليس تشريعات جامدة تلاحق التكنولوجيا بعد تطورها، وإنما منظومة مرنة تجمع بين القانون.

والسياسات المؤسسية، ومدونات السلوك المهني، والتدريب المستمر، مؤكدة أن المعادلة الصحيحة ليست «صحافة أم ذكاء اصطناعي»، بل صحافة أكثر كفاءة تستفيد من الذكاء الاصطناعي، من دون أن تتخلى عن جوهرها القائم على الدقة والمساءلة والمسؤولية.

التحقق البشري ضرورة

بدوره حذر الدكتور عبدالله المدني، الأكاديمي والباحث من البحرين، من ترك استخدام الذكاء الاصطناعي من دون ضوابط، مؤكداً أنه أصبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصاً في المجالات العلمية.

وفي مقدمها الطب، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يخرج استخدامه عن الحدود، ويتحول الاعتماد عليه إلى ممارسة غير منضبطة.

وقال إن الحل لا يكمن في رفض الذكاء الاصطناعي أو الامتناع عن استخدامه، وإنما في التوعية بمخاطره، وتحصين المستخدمين، خصوصاً الأطفال والأجيال الجديدة، قبل إتاحة المجال أمامهم للاستفادة من هذه التقنيات.

وأضاف أن مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على العمل الصحافي، بل تمتد إلى الباحثين والطلاب والأكاديميين، إذ قد يقود إلى «الكسل والخمول»، والاعتماد على ما تنتجه الأدوات الذكية، بدلاً من تشغيل العقل والبحث والاجتهاد، لإضافة معرفة أو تقديم أفكار جديدة.

وأكد المدني أن الصحافي قد يفقد مهاراته تدريجياً إذا اعتمد بصورة كبيرة على الذكاء الاصطناعي، محذراً في الوقت نفسه من أن هذه الأدوات قد تقدم معلومات مفبركة أو مشوهة أو ناقصة وغير مكتملة، مضيفاً: «من هنا تأتي الخطورة».

أطر أخلاقية

وقال مايد محمد المقبالي، إعلامي من مكتب محافظ شمال الباطنة في سلطنة عُمان، إن استخدام الصحافيين لتقنيات الذكاء الاصطناعي، يستدعي وجود إجراءات وضوابط واضحة داخل المؤسسات الإعلامية، بما يضمن الاستفادة منها من دون أن تؤثر في المهارات الأساسية للصحافي.

وفي مقدمها مهارة الكتابة وصياغة المحتوى. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يظل أداة مساعدة للصحافي، تسهم في اختصار الوقت وتسهيل بعض المهام ومواكبة التطورات الرقمية، لا أن يتحول إلى بديل عن قدراته المهنية.

وأشار إلى أهمية أن تضع المؤسسات الإعلامية أُطراً محددة لاستخدام هذه التقنيات، بالتوازي مع نشر ثقافة أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الإعلامي، بما يسمح للصحافي بمواكبة التطور التكنولوجي، والاستفادة منه، مع الحفاظ على مهاراته المهنية.

مدونة متخصصة

وأكدت الدكتورة ناهدة محمد مخادمة، أستاذ مشارك في الصحافة والإعلام الرقمي بجامعة العين، أن التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، يفرض الحاجة إلى تشريعات وضوابط مهنية واضحة، تنظم استخدامها في العمل الصحافي، خصوصاً مع تحولها إلى أدوات تُستخدم في جمع المعلومات، وتحليل البيانات والترجمة وصياغة الأخبار، وإنتاج الصور ومقاطع الفيديو.

وقالت إن الذكاء الاصطناعي يوفر للصحافيين إمكانات كبيرة، من حيث سرعة الإنتاج وسهولة الاستخدام، إلا أن هذه المزايا تقابلها تحديات ومخاطر مهنية وأخلاقية وقانونية.

وفي مقدمها دقة المعلومات، والتزييف العميق، والتحيز الخوارزمي، وحماية الخصوصية، وحقوق الملكية الفكرية، ما يجعل وجود ضوابط واضحة، ضرورة للحفاظ على مصداقية المحتوى الإعلامي وثقة الجمهور.

وأوضحت أن دولة الإمارات تمتلك إطاراً تشريعياً عاماً، يمكن تطبيقه على المحتوى الصحافي المنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمه المرسوم بقانون اتحادي رقم (55) لسنة 2023 بشأن تنظيم الإعلام، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (68) لسنة 2024، واللذان يضعان معايير وضوابط للمحتوى الإعلامي بمختلف أشكاله، بما في ذلك المحتوى الرقمي.

وأضافت أن «ميثاق تطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي» في دولة الإمارات، يؤكد مجموعة من المبادئ الأساسية التي تكتسب أهمية خاصة عند توظيف هذه التقنيات في المجال الإعلامي.

وفي مقدمها الشفافية والمساءلة وحماية الخصوصية والإشراف البشري، وهي مبادئ ينبغي أن تشكل أساساً للممارسة المهنية عند الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الصحافي.

ورأت أن التشريعات العامة القائمة، ينبغي أن تُستكمل بمدونة متخصصة، تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، بحيث تضع قواعد مهنية واضحة، تحدد مسؤوليات الصحافي والمؤسسة في مختلف مراحل إنتاج المحتوى، وتضمن عدم تحول السرعة التي توفرها هذه التقنيات إلى عامل يؤثر في الدقة أو المعايير المهنية.

وشددت على ضرورة أن تتضمن هذه المدونة إلزام الصحافي بإجراء تحقق بشري من كل محتوى مولّد آلياً قبل نشره، والإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، عندما يكون له تأثير جوهري في إنتاج المادة الصحافية، إلى جانب حظر إدخال بيانات المصادر السرية أو المعلومات الحساسة إلى منصات الذكاء الاصطناعي المفتوحة.

ووضع علامات واضحة على الصور ومقاطع الفيديو الاصطناعية أو المولدة رقمياً، فضلاً عن ضمان احترام حقوق المؤلف والملكية الفكرية. وأكدت أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يجب أن يبقى أداة مساندة للصحافي، وليس بديلاً عنه.

مشددة على أن المسؤولية التحريرية والقانونية والأخلاقية عن المحتوى، تظل مسؤولية الصحافي والمؤسسة الإعلامية، باعتبار أن الحفاظ على هذه المسؤولية يمثل ضمانة أساسية لحماية مصداقية الإعلام الإماراتي، وتعزيز ثقة الجمهور بالمحتوى الذي يقدمه.

بداية الخطورة

قال الدكتور نذير السماك، خبير في الذكاء الاصطناعي، إن أحد أبرز التحديات التي يفرضها استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في العمل الصحافي يتمثل في وصول المحتوى الذي تنتجه إلى مستوى قد يصعب معه التمييز بين مقال كتبه إنسان وآخر أُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي.

معتبراً أن هذه النقطة تكشف حجم التحدي أمام صناعة المحتوى. وأوضح أن استخدام الذكاء الاصطناعي لكتابة المقالات بصورة كاملة، والاعتماد عليها باعتبارها نتاجاً بشرياً، ليس ممارسة صحيحة.

مشيراً في المقابل إلى أن هذه التقنيات يمكن أن تكون شديدة الفائدة للصحافي، عندما تستخدم في البحث وجمع المعرفة وإثراء الموضوع.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يستطيع اختصار وقت طويل من البحث، فبدلاً من الرجوع إلى عدد كبير من الكتب والمراجع بصورة منفردة، يمكن الاستفادة منه في تلخيصها.

والوصول سريعاً إلى المعلومات والأفكار التي تساعد الصحافي على بناء مادته، على أن تبقى عملية الكتابة والصياغة والحكم على المعلومات في يد الصحافي.

وشدد على أن الفاصل الأساسي يكمن في طريقة الاستخدام، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي يمكنه إثراء عمل الصحافي وتسريع البحث «لكن ينبغي ألا نتعامل معه باعتباره أداة تلغينا»، محذراً من أن تحول التقنية من مساعد للصحافي إلى بديل عنه، يمثل مكمن الخطورة.

الذكاء الاصطناعي يختصر الوقت.. لكنه يجب ألا يختصر الصحافة

الاستخدام المهني والأخلاقي يضمن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي

المعلومات المفبركة والاعتماد المفرط يهددان مهارات الصحافي

صعوبة التمييز بين المحتوى البشري والآلي تفرض رقابة بشرية