أحمد المسلماني: التاريخ مختبر السياسي ودور الفرد قد يصنع التقدم أو يقود إلى التدمير

أحمد المسلماني متحدثاً خلال الجلسة  | تصوير: إبراهيم صادق
أحمد المسلماني متحدثاً خلال الجلسة | تصوير: إبراهيم صادق


أكد الكاتب والإعلامي أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام في جمهورية مصر العربية، أن الاقتراب من الشخصيات التي شاركت في صناعة أحداث كبرى يكشف وجهاً آخر للتاريخ لا يظهر دائماً في الكتب والوثائق، معتبراً أن «التاريخ هو مختبر السياسي»، وأن دراسة تجارب القادة والعلماء والمفكرين تتيح فهم نتائج القرارات والأفكار، والاستفادة منها في قراءة الحاضر. جاء ذلك خلال جلسة «قراءة في المشهد السياسي والإعلامي»، ضمن فعاليات قمة الإعلام العربي 2026 في دبي، وأدارتها الإعلامية دانا أبو خضر، وتزامنت مع توقيع المسلماني كتابه «قريباً من التاريخ.. جلسات فكرية مع شخصيات عالمية»، الذي يجمع خلاصة لقاءات ومحاورات مع شخصيات سياسية وعلمية وفكرية وثقافية، ويقدم من خلالها قراءات في محطات وتحولات شهدها العالم والمنطقة.

وقال المسلماني، إن الصدفة لعبت دوراً في عدد من اللقاءات التي جمعته بشخصيات عالمية، إلا أن اللقاء الأول لم يكن كافياً لصناعة تجربة، مشيراً إلى أن الأهم هو القدرة على استثمار الفرصة وتحويلها إلى معرفة وبحث وتواصل ممتد.

وأوضح أن فكرة الكتاب لم تبدأ في الأصل باعتبارها مشروع كتاب متكاملاً، وإنما تكونت عبر رحلة طويلة من اللقاءات والحوارات والكتابة عن شخصيات وجد أنها تستحق التوثيق، فتحولت بعض الأحاديث إلى مقالات، ثم أصبحت هذه التجارب مع مرور السنوات جزءاً من مشروع أوسع للاقتراب من الشخصيات التي صنعت أو عايشت أحداثاً مهمة. واعتبر أن الكاتب عندما يقترب من شخصية عامة لا ينبغي أن يعيد رسمها وفق صورة مسبقة، وإنما عليه أن ينقلها كما رآها.

واستعاد المسلماني خلال الجلسة تجربته مع الدكتور أحمد زويل، موضحاً أن العلاقة تطورت من لقاء إلى تواصل ممتد ومراسلات ونقاشات، أتاحت له فرصة الاقتراب بصورة أكبر من عالم بحجم زويل، والتعرف من خلال هذه التجربة إلى شخصيات أخرى.

وأشار إلى أن بعض الفرص قد تبدأ بمصادفة، لكن «استثمار الصدفة» هو الذي يحولها إلى تجربة حقيقية، لافتاً إلى أن الاقتراب من الشخصيات الكبرى قد يكشف أحياناً أثراً إنسانياً يفوق الأثر السياسي أو الفكري الذي يكونه الإنسان عنها قبل مقابلتها.

وضرب مثالاً أيضاً بشخصيات حققت نجاحات عالمية كبيرة، مشيراً إلى أن رؤيتها من الداخل قد تكشف قدراً من التواضع والصفات الإنسانية لا يظهر بالضرورة في سيرتها العامة، وهو ما يمنح الكاتب قراءة مختلفة للشخصية تتجاوز المناصب والإنجازات.

وفي رده على سؤال حول ما إذا كان الأفراد قادرين بالفعل على تغيير مسار التاريخ، قال المسلماني إن هذه المسألة تمثل جدلاً تاريخياً ممتداً، لكنه يميل إلى اعتبار دور الفرد «أساسياً ومحورياً». واستشهد بنابليون بونابرت وهتلر وستالين، إضافة إلى رؤساء أميركيين في مراحل مختلفة، معتبراً أن غياب بعض هذه الشخصيات كان من الممكن أن يجعل مسارات تاريخية كبرى تتخذ اتجاهاً مختلفاً. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن مساحة الفرد ليست كاملة، وأن الشخصية لا تعمل بمعزل عن البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها.

ووصف المسلماني التاريخ بأنه «معمل السياسي»، موضحاً أن السياسي لا يستطيع إجراء تجربة على دولة بالطريقة التي يختبر بها عالم الكيمياء مادة في مختبر أو يدرس الفيزيائي ظاهرة ما، ولذلك فإن التاريخ يوفر له التجارب السابقة ونتائجها.

وأشار إلى أن قراءة التاريخ ليست ثابتة أو نهائية، وأن تقييم الأحداث الكبرى قد يتغير مع مرور الزمن وظهور نتائجها وتداعياتها، مستشهداً في هذا السياق بالمقولة المنسوبة إلى رئيس الوزراء الصيني الأسبق تشو إن لاي بشأن صعوبة إصدار حكم نهائي على الثورة الفرنسية حتى بعد مرور زمن طويل عليها.

وتناول المسلماني لقاءه مع وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت ماكنمارا، متوقفاً عند طريقة التعامل مع الحروب من خلال الأرقام والحسابات، وما يراه من خطورة في انفصال القرار السياسي عن تكلفته الإنسانية.

وأشار إلى حرب فيتنام، ثم إلى الحرب على العراق وما صاحبها من ادعاءات حول وجود أسلحة دمار شامل، منتقداً أن يأتي الاعتراف بخطأ بعض التقديرات بعد وقوع خسائر بشرية وسياسية واسعة. وقال إن الحديث عن أخطاء في قرارات الحرب لا يمكن فصله عن أعداد الضحايا والآثار التي تمتد لسنوات، معتبراً أن هذه النماذج تقدم دروساً مهمة في كيفية اتخاذ القرار السياسي وتحمل مسؤولية نتائجه.