كأس ومصافحة وصورة تحفظ ربع قرن من ذاكرة الإعلام العربي

كأس محفوظ في أجمل مكان داخل منزل إعلامي بحريني، ومقعد جلس عليه طالب يحمل حلماً بالعمل في الإعلام، ومصافحة بقيت حاضرة في ذاكرة صحفي، وصورة لطفل عربي استطاعت أن تقول ما تعجز عنه ألف كلمة.. أشياء تبدو منفصلة، لكنها حين تجتمع ترسم ذاكرة قمة الإعلام العربي في عيون من عاشوا مسيرتها على امتداد ربع قرن.

وبين تلك الذكريات يحضر اسم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في شهادات ضيوف القمة، قائداً آمن منذ البداية بقيمة الكلمة ودور الصحافة والإعلام في صناعة المستقبل.

فمنهم من تسلم جائزته من يد سموه، ومنهم من يحتفظ بمصافحته كواحدة من أبرز لحظات مسيرته، وآخرون رأوا في استمرارية القمة ثمرة لرؤية لم تتعامل مع الإعلام باعتباره احتفالية مؤقتة، وإنما مشروعاً عربياً يمتد أثره عبر الأجيال.

وإذا كانت القمة قد بدأت قبل 25 عاماً من دبي، فإن معالي نبيل يعقوب الحمر، مستشار جلالة ملك البحرين لشؤون الإعلام، يلخص شعور ضيوفها العرب بعبارة عفوية حملت كثيراً من المعاني.

قال «أنتم تفرحون لأنها في بلدكم وأنتم القائمون عليها، ونحن نفرح لكم أكثر».

فرح مشترك

استعاد الحمر البدايات الأولى للقمة، حين ظن البعض أنها ستكون فعالية احتفالية تنتهي بانتهاء دورتها، قبل أن يحول إصرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد على دعم الكلمة والصحافة والإعلام الفكرة إلى مسيرة مستمرة.

وقال إن أبناء الإمارات عملوا طوال ربع قرن حتى أصبحت القمة واحدة من أهم المنتديات الإعلامية في العالم العربي، وربما على المستوى العالمي.

وأضاف أن هذا النجاح لا يخص دولة الإمارات وحدها، لأنه تحول إلى إنجاز يفرح به الإعلاميون العرب ويجدون فيه مساحة تمثلهم وتحتفي بعملهم.

وقال «لا يوجد إنسان لا يفرح بالنجاح حتى إن لم يكن يمت إليه بصلة، نحن نفرح لكم لأنكم حققتم خلال 25 عاماً نجاحاً كبيراً لا يقاس بنجاحات كثيرة حدثت في العالم، هذا النجاح فرح لنا جميعاً».

كأس البيت

يحتفظ الحمر بذاكرته الخاصة في مكان يمكن رؤيته كل يوم، ففي عام 2018، اختير شخصية العام الإعلامية، وتسلم جائزته من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ومنذ ذلك اليوم، تحتل الشهادة والكأس أجمل مكان في منزله.

وقال إن الجائزة تمثل له شرفاً كبيراً يعتز به، لأنها جاءت من قائد جعل دعم الصحافة والإعلام والرأي جزءاً من رؤيته.

وأضاف أن القادة والمسؤولين الذين يمنحون الكلمة هذا القدر من الاهتمام ليسوا كثيرين في العالم العربي، وهو ما يضاعف القيمة المعنوية للجائزة التي يحتفظ بها.

ولا يستعيد الحمر القمة من خلال الكأس وحده، إذ يراها شاهداً على تحولات غير مسبوقة في القطاع، بدأت بالصحف المطبوعة ووصلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.

وأكد أن المنتدى غرس في أجيال مختلفة من الإعلاميين الوعي بأهمية الكلمة العربية وكيفية استخدامها والتعامل معها بمسؤولية.

مقعد الطالب

بينما يحفظ الحمر ذاكرته في كأس، يحتفظ عبدالله مراد، مدير قسم الإعلان والترويج في مدينة الشارقة للإعلام «شمس»، بصورة مقعد جلس عليه يوماً كطالب.

حضر مراد القمة شاباً يحلم بالعمل في الإعلام، وينظر بانبهار إلى الإعلاميين والفنانين والنجوم الذين اعتاد مشاهدتهم عبر شاشة التلفزيون.

وبعد سنوات، عاد إلى المكان نفسه لا بصفته طالباً بين الجمهور، وإنما مديراً لجلسة تناقش صوت الشباب في الإعلام.

وقال «كنت موجوداً هنا كطالب حالم لديه طموح أن يعمل في الإعلام، واليوم أنا فخور بأنني أدير جلسة تتحدث عن صوت الشباب في الإعلام».

ووصف شعوره في زيارته الأولى بأنه كان ممتلئاً بالحلم، إذ أصبح الأشخاص الذين يراهم على الشاشة أمامه في مكان واحد، وأصبحت المهنة التي يتطلع إليها أكثر قرباً وإمكاناً.

ويختصر انتقاله من مقعد الطالب إلى منصة الحوار جانباً من أثر القمة، فهي لم تجمع الأسماء اللامعة وحدها، وإنما وضعت أمام الشباب صوراً حقيقية لما يمكن أن يصبحوا عليه مستقبلاً.

مصافحة خالدة

أما هاني مسهور، الصحفي في «سكاي نيوز عربية»، فيختصر ذاكرته في مصافحة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خلال القمة.

وقال إن هذه اللحظة بقيت واحدة من أبرز الذكريات التي يحملها من المناسبة، إلى جانب مشاركاته المتواصلة في جائزة الصحافة العربية.

وبعد ربع قرن من التجربة، يرى مسهور أن ما يستحق الاحتفاء هو ترسيخ دبي مركزاً لاستشراف مستقبل الإعلام العربي، والإصرار على استمرار الروح التي حافظت على حضور القمة وتطورها.

وقال إن هذه المناسبة تمثل ربع قرن من نجاح دولة الإمارات ودبي في تقديم الإعلام العربي بهذا المستوى من العطاء واستشراف المستقبل.

ورغم مشاركاته المتعددة في الجائزة، لا يزال حلم الفوز يرافقه، مؤكداً أنه سيواصل العمل والاجتهاد حتى يقف يوماً بين الفائزين.

وهكذا لا تبقى المصافحة ذكرى شخصية فقط، إذ تتحول إلى دافع يرتبط بحلم مهني لم يفقد بريقه مع مرور السنوات.

صور ناطقة

وفي ذاكرة الإعلامية البحرينية سوسن الشاعر، تحضر مصافحة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أيضاً، إلى جانب مشاهد الفائزين لحظة تسلمهم الجوائز بعد سنوات من التعب والعمل.

وقالت إنها تشرفت بالسلام على سموه أكثر من مرة، وإن تلك اللقاءات بقيت محفورة في ذاكرتها.

كما تستعيد فرحة الفائزين لحظة إعلان أسمائهم، حين يشاهد الجمهور نتيجة العمل الطويل ظاهرة على وجوههم.

غير أن أكثر ما مس مشاعرها كان الصور الصحفية الفائزة التي وثقت مآسي المنطقة وحروبها، وخصوصاً صور الأطفال في غزة ولبنان وسوريا.

وقالت إن بعض الصور لم تكن مجرد لقطات تعبر عن حدث، وإنما كانت تنطق بما تحمله من ألم وتغني عن ألف كلمة.

وأضافت أن تفاعل الجمهور معها كان من أكثر لحظات القمة تأثيراً، لأنها نقلت الطفولة الضائعة في أجزاء من العالم العربي إلى قلب القاعة.

وفي تلك الصور، يظهر الوجه الآخر لدعم الكلمة والصورة، فالإعلام لا يحتفي بالنجاح فقط، وإنما يحمل مسؤولية الشهادة على الألم وحفظ قصص الذين قد لا يستطيعون روايتها بأنفسهم.

شجرة وارفة

تقول سوسن الشاعر إنها واكبت القمة منذ بداياتها، وشاهدتها تكبر حتى أصبحت «شجرة لها ظلال».

ويمنح هذا الوصف معنى لمسيرة بدأت بفكرة ثم تحولت إلى مساحة عربية واسعة يجتمع تحتها الإعلاميون من أجيال وتجارب ودول مختلفة.

وبعد ربع قرن، لم تعد ذاكرة القمة محفوظة في أرشيفها وحده، إنها موزعة بين بيوت ضيوفها ومسيراتهم المهنية ومشاعرهم.

ويجمع هذه الذكريات إيمان مبكر بأن الكلمة تستحق الدعم، وأن الصحافة تستحق الاحتفاء، وأن الإعلام العربي يحتاج إلى منصة تنمو معه وتقرأ تحوّلاته.

لهذا لم يكن قول نبيل الحمر «نحن نفرح لكم أكثر» مجرد مجاملة لضيوف المناسبة، كان اعترافاً بأن نجاح القمة الذي بدأ من دبي أصبح جزءاً من الذاكرة المهنية والعاطفية للإعلاميين العرب جميعاً.