نظافة شوارع دبي ثمرة تعاون بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع والزوار
أكدت مجلة «التايم» الأمريكية أن دبي تعد نموذجاً مثالياً للمدن النظيفة يجب تقليده، حيث تعد نظافة الإمارة من أبرز المظاهر التي تعكس نهضتها الحضارية وتطورها العمراني واهتمامها بجودة الحياة.
وذكرت المجلة في مقال مطول أن دبي ليست مجرد مدينة حديثة تتميز بناطحات السحاب والمرافق المتطورة والمعالم السياحية، بل هي نموذج لمدينة تحرص على أن يكون جمالها العمراني مصحوباً ببيئة نظيفة ومنظمة وآمنة.
حيث يلاحظ الزائر منذ اللحظة الأولى اهتمام المدينة بنظافة شوارعها وميادينها ومرافقها العامة، الأمر الذي يمنحها مظهراً مشرقاً ويعزز مكانتها بوصفها واحدة من المدن العالمية التي تجمع بين التطور والاستدامة.
أرشيفية
مترو دبي من أنظف وسائل النقل في العالم
وأوضحت المجلة أن المحافظة على نظافة دبي لا تعتمد على أعمال التنظيف اليومية وحدها، وإنما تقوم على منظومة متكاملة من الوعي المجتمعي والالتزام بالسلوكيات الحضارية والجهود المستمرة للحفاظ على البيئة.
فكل شارع نظيف، وكل حديقة مرتبة، وكل مرفق عام خالٍ من المخلفات، يمثل ثمرة تعاون بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع والزوار. ومن هنا، أصبحت النظافة مسؤولية مشتركة تتطلب من الجميع الالتزام بعدم إلقاء النفايات في الأماكن العامة، والمحافظة على المرافق، وتشجيع السلوكيات الإيجابية التي تسهم في حماية البيئة.
وأكدت أن نظافة دبي تكتسب أهمية خاصة، نظراً إلى طبيعتها كمدينة عالمية تستقبل أعداداً كبيرة من السكان والزوار من مختلف أنحاء العالم. ولذلك فإن الحفاظ على نظافتها يسهم في تقديم صورة حضارية تعكس قيم المجتمع الإماراتي.
كما يعزز شعور السكان بالراحة والانتماء، ويمنح الزوار تجربة أكثر إيجابية. فالمدينة النظيفة توفر بيئة أكثر جاذبية للعيش والعمل والسياحة، وتدعم جودة الحياة وتساعد على بناء مجتمع أكثر وعياً بالمسؤولية البيئية. وترتبط نظافة المدينة ارتباطاً وثيقاً بالاستدامة والمحافظة على الموارد الطبيعية.
فالتعامل السليم مع النفايات، وتقليل الهدر، وتشجيع إعادة التدوير، والمحافظة على المساحات الخضراء، كلها ممارسات تسهم في بناء مستقبل أكثر استدامة.
ولا يمكن تحقيق ذلك بصورة فعالة من خلال الجهود الحكومية وحدها، بل يحتاج إلى مشاركة حقيقية من أفراد المجتمع والمؤسسات والمدارس والشركات. وبيّنت المجلة أن نظافة دبي ليست مجرد مظهر جمالي، بل هي قيمة حضارية وسلوك يومي ومسؤولية جماعية.
فكل فرد يستطيع أن يسهم في الحفاظ على نظافة المدينة من خلال تصرف بسيط، مثل وضع النفايات في الأماكن المخصصة لها أو المحافظة على الممتلكات العامة.
وبالتعاون والوعي، تظل دبي مدينة مشرقة ونظيفة، تعكس طموح الإمارات في بناء مدن مستدامة ومتطورة توفر للأجيال الحالية والمستقبلية بيئة جميلة وصحية تليق بمكانتها العالمية.
تجربة ملهمة
وسلط المقال الضوء على سيكولوجية النظافة في المدن الكبرى، مستنداً إلى مشاهدات حية تمتد لعقود، تبدأ من الهند وتمر بسنغافورة، وصولاً إلى التجربة الملهمة في إمارة دبي.
ويستهل كاتب تقرير «التايم» سرديته بالعودة إلى صيف عام 1987، حين رصد مشهداً استثنائياً في إحدى محطات مترو الأنفاق بإحدى الدول الآسيوية؛ حيث أجبر رجلان شخصاً ثالثاً على الانحناء لمسح بصاقه من على رصيف المحطة، وسط تشجيع وهتاف من الركاب الآخرين.
ووفقاً للتقرير، فإن هذه الحادثة ظلت محفورة في ذاكرة الكاتب لسببين جوهريين: الأول أنها وقعت في إحدى المدن الآسيوية الفقيرة، والثاني أن الرجلين اللذين قاما بتوبيخ ومحاسبة المخالف لم يكونا من المسؤولين الرسميين المكلفين بفرض النظافة العامة، بل كانا مجرد راكبين عاديين شأنهما شأن الرجل المخالف.
ويضيف التقرير أنه لو ارتكب هذا الرجل مخالفته في الشارع أعلى المحطة، لمرت الحادثة دون أن يلاحظها أحد بكل تأكيد؛ ففي جزء كبير من المناطق الحضرية في تلك المدينة، كان البصق في الأماكن العامة أمراً بالغ الشيوع.
غير أن أرصفة وعربات مترو تلك المدينة كانت بالغة النظافة، ما أثار بين الركاب شعوراً عميقاً بالفخر والمسؤولية، لدرجة أن هذين الرجلين كانا على استعداد لتأخير رحلتهما فقط من أجل الحفاظ على رصيف المحطة نظيفاً تماماً.
سؤال عن النظافة
وتنتقل «التايم» في تقريرها إلى الحاضر، حيث استعاد الكاتب تلك الحادثة قبل بضعة أسابيع أثناء رحلة له في «مترو دبي»؛ ففي صباح يوم أحد شديد الحرارة، سارت أمامه مجموعة مكونة من ستة هنود يتحدثون اللغة الهندية باتجاه إحدى المحطات، وهم يرتشفون المشروبات الغازية ويتناولون الآيس كريم.
وبناءً على قيام إحدى أفراد المجموعة بالإشارة إلى المعالم السياحية، بدا بوضوح أنها مقيمة في الإمارة، بينما كان الآخرون ضيوفها، ومن الواضح أنهم زوار من وطنها الأم، وعند وصولهم إلى المحطة، أوقفت السيدة المجموعة وطلبت منهم إلقاء زجاجاتهم وأكوابهم في صندوق القمامة.
ويلفت التقرير إلى تفصيلة دقيقة، حين سألها أحد الزوار بسخرية: «لماذا، هل هناك غرامة؟»، ويؤكد الكاتب وجود غرامة بالفعل على إلقاء القمامة في المحطات، وكان من السهل عليها جداً التذرع بذلك، لكن ردها جاء مفاجئاً، إذ قالت بلغتهم «هذا ليس سؤالاً عن الغرامة، بل عن النظافة».
«النافذة المكسورة»
ويوضح تقرير «التايم» أنه من منظور علم الاجتماع، تثبت كلتا الحادثتين النتيجة الطبيعية لـ«نظرية النافذة المكسورة»، ورغم أن هذه الفكرة تُذكر عادة في سياق علم الجريمة، إلا أنها تنطبق بشكل أعم في الدراسات الحضرية.
ويستشهد التقرير بما لخصته مجلة «علم النفس اليوم» حول هذا المفهوم: «إن العلامات المرئية للفوضى وسوء السلوك في بيئة ما، تشجع على المزيد من الفوضى وسوء السلوك».
ويشرح التقرير التطبيق العملي للنظرية؛ فإذا ظلت النوافذ المكسورة في حي ما دون إصلاح، فإن ذلك يدفع بعض أفراد المجتمع للاعتقاد بأنه من المقبول كسر النوافذ، وبالمثل، أثبتت الدراسات حول إلقاء القمامة أن الناس يكونون أكثر إهمالاً بقمامتهم في الأماكن غير النظيفة مقارنة بالأماكن النظيفة.
الوجه الآخر (والمشرق) للنظرية، كما تورد «التايم»، هو أنه إذا حافظت مدينة ما على نظافة الأماكن العامة، فإن الجمهور سيأخذ على عاتقه إبقائها كذلك.
رهان على النظافة والقوة الناعمة
ويبرز التقرير الفارق المهم بين الحادثتين؛ ففي حين كان الحدث في محطة المترو يمثل تناقضاً صارخاً مع محيطه، فإن نظافة مترو دبي تعد امتداداً طبيعياً للمدينة ككل؛ إذ تُصنف الإمارة بشكل روتيني كأنظف مدينة في العالم، وفقاً لـ«مؤشر مدن القوة العالمية» الذي تعده سنوياً مؤسسة «موري ميموريال».
وما يجعل هذا الإنجاز أكثر إثارة للإعجاب، بحسب مجلة «التايم»، هو أن غالبية سكان دبي يأتون من دول يُعتبر مستوى النظافة فيها أقل كثيراً من دبي.
وينقل التقرير عن سونيل كانشان، وهو من مواليد بومباي ويعيش في دبي منذ 30 عاماً، قوله: إن الأشخاص الذين يأتون من أماكن ينعدم فيها الحس المدني تقريباً يهبطون في مطار دبي الدولي، ليحدث لهم هذا التحول الفوري؛ فنفس الأشخاص الذين كانوا يلقون مناديلهم على أرضية الطائرة يبحثون الآن عن صناديق القمامة في صالة الوصول.
وتطرح المجلة تساؤلاً جوهرياً: هل يفعلون ذلك خوفاً من الإمساك بهم وتغريمهم؟ يؤكد التقرير أن القواعد والعواقب الصارمة لخرقها تلعب دوراً مهماً في خلق مساحات نظيفة والحفاظ عليها.
ويستشهد الكاتب بسنغافورة، التي كانت مقراً له لمدة عامين في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كأبرز مثال على فاعلية العقاب.
لكن التقرير يرى أنه من السهولة بمكان عزو النظافة إلى تطبيق القانون وحده؛ إذ تظهر الأبحاث أنه بمرور الوقت، يتوقف الناس عن إلقاء القمامة حتى عندما لا يكون هناك خطر من الإمساك بهم ومعاقبتهم، لأنهم يشعرون ببساطة أن ذلك الفعل خطأ، وهذا ما كان صحيحاً في سنغافورة، وينطبق اليوم على دبي.
ويعلق كانشان للتايم قائلاً: «ربما في الأسابيع أو الأشهر الأولى، تفكر في عقوبات خرق القانون. ثم تبدأ في التفكير: هذه مدينتي، إنها مدينة نظيفة جداً... أود أن تبقى على هذا النحو».
تحضر مدني
وفي سياق متصل يبيّن التقرير كيف تأخذ دبي مسألة التحضر المدني وترتيبها في المؤشرات العالمية على محمل الجد، باعتبار أن جودة الحياة التي تقدمها تعد عامل جذب رئيسياً للمستثمرين والمهاجرين والسياح، فضلاً عن كونها أداة فعالة لقوتها الناعمة.
وبناءً على ذلك، ليس من المستغرب أن تقوم سلطات البلدية باختبار كاميرات تعمل بالذكاء الاصطناعي لمراقبة كيفية تعامل الناس مع الأماكن العامة، حيث يتوقع من يُضبطون وهم يلقون القمامة غرامات قاسية.
لكن التقرير يشير إلى أن الإمارة تستثمر أيضاً في «الجزرة» إلى جانب «العصا»؛ ففي الخريف الماضي، أطلقت اللجنة التوجيهية للحفاظ على المظهر الحضاري في دبي مبادرة طموحة لتعزيز السلوكيات الإيجابية بين السكان.
وينقل التقرير عن سعيد النظري، الأمين العام للجنة، قوله: «مهما كانت آليات الإنفاذ لديك جيدة، فهناك دائماً فرصة لانكسار نافذة في مكان ما، ونريد أن يشارك المجتمع بأكمله في الوقاية، وعند الضرورة، في الإصلاح».
وتشمل إحدى المبادرات الأولى للجنة تكريم الأشخاص الذين يظهرون أعمالاً بسيطة من التحضر المدني، بما في ذلك –على سبيل المثال لا الحصر– الحفاظ على نظافة الأماكن العامة، ويضيف النظري لمجلة التايم: «إذا بذل أحد المقيمين جهداً لتحسين جودة الحياة لنا جميعاً، فيجب الاحتفاء بذلك».
وتتساءل «التايم»: هل سينجح ذلك؟ يجيب التقرير بأن التجارب الاجتماعية لا تسمح بإصدار أحكام متسرعة، وقد تمر سنوات قبل معرفة ذلك على وجه اليقين؛ لكن المجلة تؤكد أنه من المفيد والمطمئن أن دبي لا تكتفي بوضع كل رهاناتها على الحلول التكنولوجية فقط.
تناغم بين عقوبات صارمة ومكافآت محفزة لمن يحافظ على نظافة الإمارة
جودة الحياة عامل جذب رئيسي للمستثمرين والسياح.. وأداة فعالة لقوة دبي الناعمة
دبي نموذج لمدينة تحرص على الجمع بين الجمال العمراني والبيئة النظيفة