«رسالة إلى مجتمع دبي» من بناء المدينة إلى بناء الإنسان

لا يتحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في «رسالة إلى مجتمع دبي» عن الأبراج أو الطرق أو المطارات كونها جوهر تجربة المدينة، رغم حضورها في النص بوصفها مظاهر للإنجاز؛ فالفكرة المركزية التي تتكرر منذ البداية وحتى السطر الأخير أكثر وضوحاً: نجاح المدينة لا يكتمل بما تبنيه من حجر، وإنما بما تبنيه في الإنسان.

ومن هنا تبدو الرسالة مختلفة في طبيعتها عن خطاب يتناول التنمية أو المستقبل أو الاقتصاد.

إنها أقرب إلى صياغة عقد اجتماعي وأخلاقي للحياة في مدينة شديدة التنوع، يتشاركها المواطن والمقيم والزائر، وتلتقي فيها ثقافات وجنسيات وتجارب مختلفة.

ويبدأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رسالته بخطاب مباشر «رسالة إلى أهل دبي.. والمقيمين على أرضها.. وزوارها.. ومحبيها»، ثم يحدد منذ البداية رؤيته للمدينة: «لقد صنعنا مدينة جميلة، ومجتمعاً منسجماً، وتجربة نموذجية للعالم». لكن العبارة الأهم تأتي بعدها: «كل من يعيش على أرضنا يشعر بأنه في وطنه.. دبي وطن للعالم، ووطن للبشر، ووطن للحياة».

هذا الانتقال من «المدينة» إلى «الوطن» ليس تفصيلاً لغوياً. فالمدينة في الرسالة لا تُعرَّف فقط بالمكان، وإنما بالشعور الذي تمنحه لمن يعيش فيها.

وهنا تبدأ القراءة الأعمق للنص: كيف يمكن لمدينة تضم ملايين البشر من خلفيات شديدة الاختلاف أن تحافظ على قدرتها على التعايش؟ وما القواعد التي تجعل هذا التنوع مصدراً للحيوية بدلاً من أن يتحول إلى تناقض اجتماعي؟

الإجابة التي يقدمها النص تأتي في سبع قواعد للحياة في دبي. وقبل الدخول في القواعد السبع، يضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إطاراً عاماً لفكرته عندما يصف دبي بأنها «تجربة إنسانية عظيمة»، ويقول إن الهدف هو أن تبقى «تجربة خالدة باقية مستمرة ملهمة لجميع البشر».

بهذا المعنى تصبح استمرارية دبي، كما يصورها النص، مرتبطة بما هو أعمق من دورة اقتصادية أو مشروع عمراني. فالطرق يمكن توسيعها، والمطارات يمكن تطويرها، والمباني يمكن أن تصبح أعلى، لكن السؤال الذي تطرحه الرسالة هو: ما الذي يجعل المجتمع نفسه قابلاً للاستمرار؟ وهنا تأتي القواعد السبع محاولة للإجابة.

واللافت أن خمساً منها على الأقل تتعلق مباشرة بسلوك الفرد: تحمّل المسؤولية، احترام الآخرين، إتقان العمل، التواضع، والتفاؤل. أي أن الرسالة تنقل جزءاً من مسؤولية المدينة من المؤسسات إلى الأشخاص أنفسهم.

«الحياة مسؤولية.. والمسؤولية حياة»

ويبدأ النص من الفرد قبل أن يصل إلى المؤسسة: مسؤولية الموظف عن واجباته، والقائد عن فريقه، والأب عن أسرته، والفرد عن مدينته، والرجل عن كلمته، والتاجر عن أمانته، والمعلم عن طلابه، والطبيب عن زواره.

ثم تصل الدائرة في النهاية إلى الحكومة ومسؤوليتها عن راحة الفرد وأمنه وحقوقه وسعادته. هذه البنية مهمة؛ لأنها لا تجعل المسؤولية عمودية من أعلى إلى أسفل، بل شبكة متبادلة. الدولة مسؤولة عن الإنسان، لكن الإنسان أيضاً مسؤول عما حوله. والموظف لا يستطيع أن يلقي مسؤولية تقصيره على المؤسسة، كما أن المؤسسة لا تستطيع مطالبة الأفراد بالمسؤولية بينما تتخلى عن واجباتها تجاههم.

ولهذا تأتي العبارة: «كلنا مسؤول.. مسؤولون إلى الأبد.. كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». المدينة المتوازنة، وفق هذا التصور، لا تقوم فقط على القوانين والرقابة، وإنما على شعور داخلي لدى الفرد بأن أفعاله اليومية تؤثر في الآخرين.

وهنا يصبح مفهوم المسؤولية أوسع من الوظيفة. طريقة القيادة في الطريق مسؤولية، والكلمة مسؤولية، والعمل مسؤولية، والعائلة مسؤولية، والحفاظ على المدينة نفسها مسؤولية.

«الاحترام تقدير لقيمة الإنسان»

وهي ربما القاعدة الأكثر ارتباطاً بطبيعة دبي بوصفها مجتمعاً متعدد الثقافات والأديان والجنسيات.

يقول النص إن أساس الحضارة وروحها وجوهرها احترام الإنسان: «نحترم دينه وقيمه وثقافته.. نحترم وقته ومشاعره وحياته». ثم يوسع الدائرة: «نحترم الجميع.. نحترم المرأة ونقدرها.. نحترم الكبير ونجلّه.. نحترم العامل ونقدره.. نحترم من يختلف معنا وننصفه». وتبرز هنا العبارة الأخيرة خصوصاً: احترام من يختلف معنا. فالاحترام في الرسالة ليس مكافأة تعطى لمن يشبهنا، وإنما قاعدة تنطبق أيضاً على المختلف.

وفي مجتمع يعيش فيه أشخاص جاؤوا من ثقافات شديدة التباين، تصبح هذه الفكرة ضرورة عملية وليست مجرد قيمة مثالية. لا يمكن إدارة الاختلاف اليومي بالتطابق؛ لأن التطابق غير موجود أصلاً. الممكن هو وجود قواعد مشتركة تحمي كرامة كل إنسان.

ولهذا يصل النص إلى خلاصة لافتة: «المدينة الفاضلة لا تقاس بالعمران والبنيان، بل باحترام كرامة الإنسان».

إنها من أهم عبارات الرسالة؛ لأنها تقلب معيار قياس المدن. المدينة التي تملك أطول المباني ليست بالضرورة الأفضل للحياة إذا غابت عنها كرامة الإنسان.

الإتقان «يومي» و«تراكمي» و«تفصيلي»

أما القاعدة الثالثة: «الإتقان أجمل رسالة نقدمها للعالم» وهنا ينتقل النص من الأخلاق الاجتماعية إلى ثقافة العمل. يبدأ من فكرة أن الجمال لا يقتصر على المباني، وإنما يشمل المرافق والحدائق والخدمات والتجار والبشر.

ثم يربط صورة دبي أمام العالم بما ينجزه كل شخص داخلها. المسافر، كما يقول النص، يرى إتقان موظفي المطار، وإتقان العمال في الطرقات، وإتقان المهندسين في المنشآت، وإتقان الشركات في الخدمات. بهذه الصورة تصبح سمعة المدينة نتيجة تراكم ملايين التفاصيل الصغيرة.

وهذه واحدة من الأفكار القوية في الرسالة: الجودة ليست مشروعاً كبيراً يحدث مرة واحدة يصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الإتقان بأنه «يومي» و«تراكمي» و«تفصيلي».

ويشبهه بتراكم قطرات المطر التي تصنع نهراً، وفي المقابل يشير إلى أن الفوضى الصغيرة يمكن أن تتراكم أيضاً. المعنى هنا أن المدينة لا تنهار فجأة بسبب خطأ واحد، كما أنها لا تصل إلى الجودة بسبب إنجاز واحد. كلا المسارين تراكمي. موظف واحد يحسن معاملة شخص، عامل ينجز عمله بدقة، مؤسسة تفي بوعدها، وطبيب يحترم مريضه؛ كلها تفاصيل تبدو منفردة صغيرة، لكنها حين تتكرر تصبح ثقافة. ولهذا يقول النص إن دبي ليست شيئاً خارجياً عن الناس: «دبي هي ثقافة تسكن في كل واحد منا».

التواضع بوصفه حماية للنجاح

القاعدة الرابعة تبدو للوهلة الأولى مفارقة لغوية: «نرتفع بتواضعنا» فالمدينة المعروفة بطموحها وبمشروعاتها الكبرى تُذكَّر هنا بأن النجاح نفسه يمكن أن يتحول إلى خطر إذا أنتج الغرور.

ويقدم النص التواضع في اتجاهات عدة: التواضع مع الناس، والتواضع أمام العلم، والتواضع أمام الحقيقة.

الأول يحفظ علاقة الإنسان بالآخرين. والثاني يمنعه من الاعتقاد بأنه وصل إلى نهاية المعرفة.

أما الثالث فيجعله قادراً على مراجعة نفسه. ويقول النص بوضوح: «نحن نعرف أننا لا نعرف الكثير، ونعلم بأننا نحتاج للتعلم المستمر». هذه الجملة تحمل تصوراً مختلفاً للنجاح؛ فالنجاح لا يعني انتهاء الحاجة إلى التعلم، بل ربما يزيدها.

كما يستعيد النص بدايات المدينة ليضع الإنجاز في سياقه: ما وصلت إليه دبي لا يلغي حقيقة أنها بدأت من إمكانات محدودة. وبذلك يعمل التواضع في الرسالة كنوع من الذاكرة الواقية من الغرور: تذكّر نقطة البداية حتى لا توهمك نقطة الوصول بأن الرحلة انتهت.

التفاؤل ليس انتظاراً.. بل عمل

القاعدة الخامسة: «التفاؤل أسلوب حياتنا» لكن التفاؤل الذي تصفه الرسالة ليس حالة نفسية سلبية تقوم على انتظار الأمور الجيدة. يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إن المجتمع المتفائل «لا يقف ولا يتردد، ولا ينتظر غيره، بل يبادر ويصنع مستقبله». هذه إضافة أساسية إلى معنى التفاؤل. التفاؤل هنا مرتبط بالفعل. فالمستقبل الأفضل لا يأتي لأننا نتوقعه فقط، وإنما لأن توقعنا بإمكان حدوثه يدفعنا للعمل من أجله.

ويتحدث النص عن رؤية الفرصة داخل التحدي، وعن الأزمات بوصفها اختباراً للإبداع، وعن الشباب وطاقاتهم، وعن الاستفادة من تجارب الآخرين. بل يذهب إلى وصف «المستحيل» بأنه وجهة نظر، لأن التجارب السابقة أثبتت أن كثيراً مما بدا مستحيلاً يمكن تجاوزه بالإصرار والإيمان والعمل. ومن هنا يصبح التفاؤل في الرسالة آلية اجتماعية للإنتاج، لا مجرد خطاب إيجابي.

الخير ليس صدقة عابرة

القاعدة السادسة: «الخير طريقنا وطريقتنا» وهنا يتسع مفهوم الخير بصورة واضحة. فالنص يرفض اختزاله في التبرع المالي: «الخير في مجتمعنا ليس صدقات عابرة، بل رسالة خالدة».

ثم يقدم أمثلة شديدة البساطة: الكلمة الطيبة خير، والابتسامة خير، وإماطة الأذى عن الطريق خير، وإرشاد التائه خير، وتشجيع الشباب خير.

بهذا يصبح الخير ممارسة يومية يستطيع الجميع القيام بها، وليس فعلاً مرتبطاً فقط بالأثرياء أو المؤسسات الخيرية. وهذه نقطة مهمة اجتماعياً؛ لأنها تجعل المشاركة الأخلاقية في المجتمع متاحة لكل شخص. لا يحتاج الإنسان إلى ثروة حتى يكون نافعاً للآخرين.

يمكن أن يبدأ من طريقة معاملته لمن حوله. وتصل الرسالة إلى عبارة ذات معنى واضح: «الحياة مليئة بالخير، والمجتمعات الفاقدة لمعاني الخير هي مجتمعات فاقدة لمعنى الحياة». فالخير هنا ليس إضافة تجميلية إلى المجتمع، وإنما عنصر من عناصر تماسكه.

«الوطن يستحق ولاءنا»

وتصل القواعد إلى نهايتها بالقاعدة السابعة: «الوطن الذي يحتوينا يستحق ولاءنا» بعد الحديث عن المسؤولية والاحترام والإتقان والتواضع والتفاؤل والخير، يأتي الولاء بوصفه الخاتمة التي تجمع العناصر السابقة. لكن الرسالة تحدد معنى الولاء بدقة. إنه ليس شعاراً فقط، وإنما «احترام لدستوره وقوانينه، وحفاظ على مكتسباته، وتقديس لعلمه، وانتماء لقيمه». أي أن الولاء يتحول إلى ممارسة.

الحفاظ على المؤسسات ولاء، والقيام بالعمل بإخلاص ولاء، وحماية سمعة الوطن ومكانته ولاء، وتحمل المسؤولية تجاه مكتسباته جزء من الولاء. ثم يقدم النص صورة وجدانية للوطن: «الوطن قلب ينبض في صدورنا، وروح تسري في أجسادنا». لكن هذه الصورة العاطفية تتبعها مباشرة مسؤوليات عملية: التضحية للحفاظ على أمنه وأمانه ومؤسساته ومكتسباته. فتظل العلاقة بين الشعور والعمل قائمة. وعندما تنتهي القواعد السبع، يكشف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الفكرة التي تجمعها جميعاً في عبارة تكاد تكون خلاصة الرسالة: «حياة المجتمع لا تقوم على المبنى، بل على المعنى». هنا يعود النص إلى نقطة البداية.

بعد كل الحديث عن مدينة أصبحت مرادفاً للعمران والمشروعات الكبيرة، تعيد الرسالة ترتيب الأولويات: البناء المادي ممكن، بل يمكن أن يكون مذهلاً، لكن المعجزة الحقيقية – وفق تعبير النص – هي «بناء مجتمع قائم على المعاني والمبادئ والقيم العظيمة».

واللافت أن الرسالة الموجهة إلى «مجتمع دبي» لا تخاطب فئة واحدة منه. منذ البداية تشمل أهل دبي والمقيمين والزوار ومحبي المدينة. وهذا يتفق مع المنطق الداخلي للنص نفسه: إذا كانت دبي «وطناً للعالم» وفق عبارته، فإن المحافظة على تجربتها ليست مهمة مجموعة واحدة.

وربما لهذا السبب لا تبدو القواعد السبع قوانين إدارية بقدر ما تبدو قواعد للسلوك اليومي. لا يمكن إصدار قرار حكومي يفرض التواضع، ولا تشريع يصنع التفاؤل، ولا نظام رقابي يجعل الإنسان خيراً تلقائياً. هذه قيم لا تعمل إلا حين يتبناها الناس.

وهنا يكمن جوهر «رسالة إلى مجتمع دبي»: بعد مرحلة طويلة من بناء المكان، تضع الرسالة التحدي في بناء الإنسان القادر على المحافظة على معنى هذا المكان.

فالمدينة تستطيع أن تستمر في بناء الأعلى والأكبر والأسرع، لكن السؤال الذي تتركه الرسالة أمام قارئها أبسط وأعمق: أي مجتمع نريد أن يعيش داخل كل ذلك؟.. وجوابه هو القواعد السبع نفسها.

1- المسؤولية تمنع الفرد من الانفصال عن المجتمع

2- الاحترام يسمح للمختلفين بالعيش معاً

3- الإتقان يحول العمل اليومي إلى جودة جماعية

4- التواضع يحمي الإنجاز من الغرور والجمود

5- التفاؤل يحافظ على القدرة على التقدم

6- الخير يمنح العلاقات الإنسانية مضمونها

7- الولاء يربط كل ذلك بوطن ومجتمع ومؤسسات

اقرأ أيضاً:

هالة بدري: القيم تصنع مجتمع دبي

رسائل محمد بن راشد.. خلاصة قيادة وقيم صنعت تجربة دبي

من المبنى إلى المعنى.. 7 قواعد تعزز تنافسية دبي