راشد بن سعيد.. صنع اقتصاداً تجاوز حدود الزمن

راشد بن سعيد خلال تشييد مصنع دوبال
راشد بن سعيد خلال تشييد مصنع دوبال

هناك رجال كثر يمرون في تاريخ الأوطان، وهناك رجال آخرون يصنعون التاريخ ثم يتركون للأجيال وطناً يشبه أحلامهم.

والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، كان من أولئك الذين لم يكتفوا بأن يروا زمانهم كما هو، بل امتلكوا شجاعة أن يتخيلوا زماناً لم يأتِ بعد.

في دبي التي عرفها الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، لم تكن الأبراج تناطح السماء، ولا كانت الطرق تمتد كالشرايين في قلب الصحراء، ولا كانت الطائرات تهبط محملة بملايين المسافرين، ولا كانت السفن العملاقة تقصد موانئها من أقصى العالم.

كانت هناك مدينة هادئة على ضفاف الخور، يعيش أهلها على التجارة والبحر، لكن كان هناك رجل يرى شيئاً لا يراه الآخرون.. كان يرى دبي التي ستظهر خلال سنوات لاحقة.

وخلال فترة حكم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، كما ذكر المكتب الإعلامي لحكومة دبي، شهدت دبي إطلاق العديد من المشاريع الكبرى التي كان يُنظر إليها آنذاك على أنها مستحيلة. ومن بين تلك المشاريع مطار دبي ومينار الخور وميناء راشد، وميناء جبل علي، وشركة دوبال وغيرها.

فحين تولى رحمه الله حكم دبي عام 1958، كانت الإمارة مدينة تجارية خليجية صغيرة، يعتمد اقتصادها على التجارة البحرية واللؤلؤ والصيد، وكان خور دبي شريانها الاقتصادي لكنه يعاني من ضحالة المياه وتراكم الرمال. وبعد 32 عاماً من حكمه، كان المشهد مختلفاً جذرياً:

موانئ حديثة، مطار دولي، طرق وجسور، مؤسسات مصرفية، صناعة ألمنيوم، منطقة صناعية ضخمة، ومركز تجاري دولي. والأهم أن الشيخ راشد ترك وراءه نموذجاً اقتصادياً لم يجعل النفط غايته، وإنما جعله أداة لتمويل بنية تحتية تستقطب التجارة والاستثمار.

خور دبي

كان أول اختبار حقيقي لرؤية الشيخ راشد هو خور دبي. ففي نهاية الخمسينيات كان الخور ضحلاً إلى درجة تعوق دخول السفن الكبيرة، وهو ما كان يهدد الدور التجاري التاريخي لدبي.

لذلك اتجه الشيخ راشد إلى مشروع جريء لتجريف الخور وتعميقه، في وقت لم تكن فيه الإمارة تمتلك عائدات نفطية كبيرة تمول مثل هذه المشاريع.

وذكر المكتب الإعلامي لحكومة دبي أن أعمال التجريف بدأت عام 1959، واستُخدمت وسائل تمويل غير تقليدية، وقد سمح تعميق الخور باستقبال سفن أكبر، وفتح الطريق أمام توسع التجارة البحرية.

وكانت النتيجة أوسع من مجرد تحسين ممر مائي. فقد أدى المشروع إلى زيادة حركة السفن، واتساع النشاط التجاري، وظهور أحياء ومناطق جديدة، ثم أصبح الخور قاعدة لسلسلة من المشاريع التي نقلت دبي من اقتصاد محلي إلى اقتصاد يعتمد على التجارة العابرة للحدود.

المطار

بعد الخور، جاء رهان آخر بالغ الأهمية ألا وهو الطيران.. فبحسب الموقع الرسمي لمطارات دبي، افتتح مطار دبي عام 1960 بمدرج من الرمال المضغوطة ومبنى صغير للمسافرين، وكان قادراً في البداية على استقبال طائرات بحجم DC-3. وبحلول عام 1969 كان المطار يستقبل تسع شركات طيران تخدم 20 وجهة.

قد يبدو القرار اليوم بديهياً، لكن في ذلك الوقت لم تكن دبي مدينة سياحية عالمية ولا مركزاً للطيران. ولذلك فإن الاستثمار في مطار دولي كان رهاناً على المستقبل أكثر منه استجابة لحجم الطلب القائم.

لقد كان، رحمه الله، يدرك أن التجارة الحديثة لا تتحرك بالسفن وحدها. فالتاجر يحتاج إلى السفر، ورجل الأعمال يحتاج إلى الوصول، والسلع عالية القيمة تحتاج إلى النقل الجوي، والمدينة التي تريد أن تصبح مركزاً إقليمياً لا يمكن أن تبقى معزولة عن شبكات الطيران العالمية.

ومن هنا بدأت فلسفة اقتصادية ستصبح لاحقاً من أبرز سمات دبي: ربط البحر بالجو والطرق والتجارة في منظومة واحدة.

ولعل أفضل دليل على نجاح هذا الرهان هو ما أصبح عليه مطار دبي الدولي اليوم. ففي العام الماضي استقبل المطار 95.2 مليون مسافر، وهو أعلى مستوى سنوي في تاريخه.

فيما يخدم 291 وجهة عبر 108 شركات طيران دولية. وبحسب دراسة الأثر الاقتصادي لقطاع الطيران في دبي، ساهم القطاع عام 2023 بنحو 137 مليار درهم في الناتج الاقتصادي للإمارة، أي ما يعادل 27% من الناتج المحلي الإجمالي لدبي، ودعم نحو 631 ألف وظيفة.

هذه الأرقام ليست إنجازاً شخصياً يُنسب إلى مشروع الستينيات وحده، لكنها توضح حجم الأثر الاقتصادي طويل المدى لفكرة بدأت بمدرج صغير، بحسب بيانات مطار دبي.

ميناء راشدويؤكد المكتب الإعلامي لحكومة دبي أن تأسيس الميناء يعود إلى الشيخ راشد، وأن المشروع أسهم في جعل دبي مركزاً للتجارة العالمية وأصبح أحد الركائز الاقتصادية الرئيسية للإمارة.

وبدأ تشغيل الميناء عام 1972، وأسهم في دعم تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية من خلال تعزيز موقع دبي مركزاً تجارياً ولوجستياً.

وتشير وثائق موانئ دبي العالمية إلى أن المرحلة الأولى من ميناء راشد اكتملت بـ11 مرسى في 1972، ثم توسعت بنيته التحتية لاحقاً إلى 35 مرسى.

جبل علي

وإذا كان خور دبي وميناء راشد قد حلا مشكلة التجارة في الحاضر، فإن ميناء جبل علي كان محاولة لحل مشكلة المستقبل. وفي منتصف السبعينيات، اتخذ الشيخ راشد قراراً بإنشاء ميناء ضخم في منطقة جبل علي، على مسافة من مركز المدينة.

كان القرار محفوفاً بالمخاطر؛ فالموقع كان بعيداً نسبياً، وحجم المشروع كان هائلاً قياساً بحجم اقتصاد دبي آنذاك، إلا أن الشيخ راشد، رحمه الله، كان له رأي آخر ونظرة مستقبلية فريدة من نوعها.

فقد افتُتح ميناء جبل علي عام 1979، وكان عند افتتاحه من أكبر الموانئ الصناعية التي شُيدت في المنطقة، وأصبح لاحقاً أحد أهم محركات التجارة العالمية في دبي.

والأهم أن المشروع لم يكن ميناءً فقط. فقد قامت حوله لاحقاً منطقة حرة وصناعات ومخازن ومراكز توزيع، لتتشكل واحدة من أهم المنظومات اللوجستية والصناعية في المنطقة، بحسب بيانات "دي بي ورلد".

وهنا يظهر بوضوح جوهر رؤية الشيخ راشد: الميناء ليس هدفاً بحد ذاته؛ الميناء منصة لجذب المصانع والشركات والتجارة.

وتشير دراسات أكاديمية إلى أن ميناء جبل علي ومنطقة جبل علي الحرة شكلا معاً بنية تحتية متكاملة مكّنت دبي من التعامل مبكراً مع عصر الحاويات وإعادة التصدير، وأسست لنموذج «الميناء ـ المنطقة الصناعية ـ التجارة». واليوم تتعامل منظومة جبل علي مع عشرات الملايين من الحاويات، وأصبح الميناء أحد أشهر المراكز اللوجستية في العالم.

الألمنيوم

لم يكتفِ رحمه الله ببناء اقتصاد يقوم على الموانئ والتجارة. فبحسب موقع شركة الإمارات العالمية للألمنيوم، وقع رحمه الله في عام 1975 مرسوماً بتأسيس شركة دبي للألمنيوم «دوبال»، في خطوة حملت دلالة استراتيجية: إنتاج سلعة صناعية ذات قيمة مضافة بدلاً من الاكتفاء بتصدير الموارد الطبيعية.

وبدأت «دوبال» الإنتاج عام 1979 بطاقة أولية بلغت 135 ألف طن سنوياً. وكان المشروع جزءاً من منظومة صناعية في جبل علي تضم الميناء والبنية التحتية ومحطات الطاقة والمياه والصناعات المختلفة.

وبمرور العقود، ارتفعت طاقة مصنع جبل علي إلى أكثر من مليون طن سنوياً. كما أصبحت الشركة لاحقاً جزءاً من «الإمارات العالمية للألمنيوم»، التي تطورت إلى واحدة من أهم الشركات الصناعية بالدولة.

القطاع المصرفي

وبحسب المكتب الإعلامي لحكومة دبي، في عام 1963 توجه المرحوم سلطان بن علي العويس ومعه نخبة من كبار التجار إلى المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، بهدف تأسيس أول بنك وطني في الدولة، لتكون النتيجة إطلاق «بنك دبي الوطني» كعامل رئيسي في دعم مسيرة النمو المتسارعة التي شهدتها الإمارة في أعقاب اكتشاف النفط، وهو المؤسسة التي اندمجت لاحقاً مع بنك الإمارات الدولي لتشكيل «الإمارات دبي الوطني». وقد يبدو إنشاء بنك خطوة مالية منفصلة عن الموانئ والمطارات، لكنه في الحقيقة جزء من المنظومة نفسها.

فالتجارة تحتاج إلى تمويل، والاستيراد يحتاج إلى اعتمادات، والشركات تحتاج إلى خدمات مصرفية، والمستثمر الأجنبي يحتاج إلى نظام مالي محلي. وبذلك كان الشيخ راشد يبني البنية التحتية غير المادية للاقتصاد بالتوازي مع البنية التحتية المادية.

رجل سبق عصره

خلاصة ما سبق، يمكن القول إن الشيخ راشد، رحمه الله، لم يكن يبني وفق حجم السوق آنذاك، بل وفق حجم السوق الذي أراد أن تصنعه دبي. من التجارة المحلية إلى اقتصاد عالمي.

فعند النظر إلى تجربة الشيخ راشد كاملة، يظهر أن مشاريعه لم تكن سلسلة من القرارات المنفصلة، بل خريطة اقتصادية مترابطة:

لذلك من الصعب اختزال إرث الشيخ راشد في رقم واحد، لأن معظم مشاريعه كانت «بنية تحتية للفرص»؛ أي أن قيمتها الحقيقية ظهرت بعد سنوات أو عقود من إنشائها.

لكن بعض المؤشرات تشرح حجم التحول. فالمطار الذي بدأ عام 1960 بمدرج رملي ومبنى صغير أصبح يستقبل 95.2 مليون مسافر في 2025.

وقطاع الطيران المرتبط بهذه المنظومة دعم 137 مليار درهم من القيمة الاقتصادية في 2023، أي 27% من الناتج المحلي لدبي، مع أكثر من 630 ألف وظيفة.

أما الصناعة التي بدأت بطاقة ألمنيوم قدرها 135 ألف طن سنوياً في 1979، فقد تحولت إلى قاعدة صناعية تنتج اليوم ملايين الأطنان عبر منظومة الإمارات العالمية للألمنيوم.

وميناء جبل علي، الذي كان في بداياته مشروعاً مثيراً للجدل من حيث الحجم والموقع، فأصبح لاحقاً محوراً للتجارة العالمية والصناعة والخدمات اللوجستية.

لقد رحل الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم عام 1990، لكن بعض الرجال لا يغادرون تماماً. يبقى حضورهم في الطرق التي شقوها، وفي الموانئ التي بنوها، وفي المؤسسات التي أسسوها، وفي المدن التي تركوها للأجيال. واليوم، حين تقف دبي في قلب الاقتصاد العالمي.

وتعلو أبراجها فوق المكان الذي كان ذات يوم مدينة صغيرة على ضفاف الخور، يمكن للمرء أن يتخيل ذلك الرجل وهو ينظر إلى المشهد من بعيد، بابتسامته الهادئة، وكأنه يقول للأجيال: «لم يكن الحلم مستحيلاً... كان يحتاج فقط إلى من يؤمن به».

الخور

الممر المائي الذي شق طريق دبي إلى العالم

مطار دبي

من استقبال 9 طائرات إلى أكبر وأهم مطار في العالم

ميناء راشد

نقل التجارة من النشاط التقليدي إلى اللوجستيات الحديثة

جبل علي

أحد أهم محركات التجارة العالمية ومنصة لجذب المصانع والشركات

«دوبال»

صناعة استراتيجية باتت قادرة على التصدير والمنافسة عالمياً

بنك دبي الوطني

أول مصرف وطني لدعم الشركات والاستثمارات