دعوة المدارس لتخصيص «طالب قديم» لكل زميل جديد لمرافقته وتعريفه بزملائه
اختيار «زميل الدعم» وفق مهارات التواصل والاحتواء لا التفوق الأكاديمي
الطالب الجديد يحتاج إلى نقطة اتصال تقوده إلى تفاصيل الحياة المدرسية
دعا تربويون واختصاصيون المدارس إلى تخصيص «زميل دعم» لكل طالب جديد يلتحق بها، يتم اختياره من بين الطلبة القدامى لمرافقته خلال الفترة الأولى من انتقاله، ومساعدته على التعرف إلى زملائه ومرافق المدرسة وأنظمتها وتفاصيل يومه الدراسي، مؤكدين أن هذه الخطوة البسيطة يمكن أن تختصر أسابيع من محاولات الاندماج، وتجنب الطالب مشاعر العزلة والارتباك في بيئة يدخلها للمرة الأولى.
وأوضحوا أن انتقال الطالب إلى مدرسة جديدة لا يعني مجرد تغيير الفصل أو المعلمين، وإنما دخوله إلى مجتمع سبق أن تشكلت داخله العلاقات والصداقات والمجموعات، بينما يبدأ هو من نقطة الصفر، ما يجعل وجود زميل يستقبله بمثابة «جسر اجتماعي» يساعده على الوصول إلى المجتمع المدرسي بدلاً من البحث بمفرده عن مكان داخله. وأكدوا أن نجاح الفكرة لا يحتاج إلى إجراءات معقدة، بقدر ما يحتاج إلى تنظيم بسيط يُشعر الطالب من خلاله بأن هناك من يعرفه وينتظره ويساعده، قبل أن ينتقل تدريجياً من «الطالب الجديد» إلى عضو طبيعي في المجتمع المدرسي.
ولفتوا إلى أن الاندماج لا يظهر بالضرورة داخل الفصل، إذ تمثل فترة الاستراحة «مرآة» تكشف مدى نجاح الطالب في بناء علاقاته، فقد يبدو مشاركاً ومستقراً أثناء الحصة، بينما تظهر الفسحة ما إذا كان قد بدأ في تكوين شبكة اجتماعية أم لا يزال يقضي وقته منفرداً. وشددوا على أن «زميل الدعم» لا ينبغي أن يكون صديقاً مفروضاً أو مراقباً للطالب الجديد، وإنما رفيقاً مؤقتاً خلال مرحلة الانتقال، تختاره المدرسة وفق معايير تشمل السلوك الإيجابي، والقدرة على التواصل، والقبول بين الزملاء، والرغبة في أداء المهمة، مع ضرورة عدم ترك عملية اندماج الطالب للصدفة، خصوصاً الخجولين والأصغر سناً، أو الذين ينتقلون بعد سنوات طويلة في مدرسة واحدة.
استقبال يبدأ من اليوم الأول
وقالت اعتدال سحويل، مديرة إحدى المدارس، إن اندماج الطالب ينبغي أن يبدأ منذ لحظة دخوله إلى المدرسة، وليس بعد مرور أيام على وجوده، موضحة أن المدرسة تعرف مسبقاً أسماء الطلبة الجدد، وبالتالي تستطيع إعداد آلية استقبال بسيطة تضمن ألا يدخل الطالب إلى فصله باعتباره شخصاً مجهولاً وسط مجموعة تعرف بعضها بعضاً.
وأضافت أن زميل الدعم يمكنه استقبال الطالب وتعريفه بفصله وعدد من زملائه، وإرشاده إلى المرافق الأساسية، مثل المكتبة والعيادة والمقصف ومناطق الأنشطة والحافلات، فضلاً عن مساعدته على فهم التفاصيل اليومية التي قد لا تتضمنها اللوائح المكتوبة.
وأكدت أن ما تعتبره المدرسة «تفاصيل صغيرة» قد يمثل للطالب الجديد مصدراً كبيراً للقلق، إذ قد يتردد في السؤال عن مكان أحد المرافق أو كيفية الانتقال بين الفصول أو ما يجب فعله أثناء الفسحة، فيما يزيل وجود زميل يعرفه ويستطيع سؤاله جزءاً كبيراً من هذا التوتر.
أول صديق يفتح الدائرة
وقالت التربوية بدرية الياسي إن «زميل الدعم» يختصر أصعب مرحلة يمر بها الطالب الجديد، وهي الانتقال من عدم معرفة أحد إلى تكوين أول علاقة داخل المدرسة.
وأضافت أن تكوين الصديق الأول يكون الأصعب في كثير من الأحيان، وبعده تبدأ دائرة العلاقات في الاتساع بصورة طبيعية، إذ يستطيع زميل الدعم تقديم الطالب إلى أصدقائه وإشراكه في الحديث والجلوس معه خلال الفسحة، بما يجنب الطالب الجديد محاولة الدخول مباشرة في مجموعات صداقة تشكلت منذ سنوات.
وأوضحت أن اختيار زميل الدعم لا ينبغي أن يكون عشوائياً أو أن يقتصر تلقائياً على الطالب المتفوق أكاديمياً، لأن المهمة اجتماعية وإنسانية بالدرجة الأولى، وتحتاج إلى طالب لديه القدرة على التواصل والمبادرة والاحتواء ويعرف المدرسة جيداً ويتمتع بسلوك إيجابي.
وأكدت أن دوره يجب أن يكون محدداً ومرناً، فالغاية ليست فرض علاقة بين طالبين، وإنما توفير نقطة بداية تساعد الطالب الجديد على بناء علاقاته بصورة طبيعية.
الفسحة تكشف الاندماج
وأكدت المعلمة ليلي أحمد أن فترة الاستراحة تمثل «مرآة الاندماج» بالنسبة إلى الطالب الجديد، ويمكن للمدرسة من خلالها اكتشاف الحالات التي تحتاج إلى دعم إضافي.
وأوضحت أن المعلم قد يرى الطالب مشاركاً ومستقراً داخل الفصل بسبب طبيعة الحصة المنظمة، بينما تكشف فترة الراحة ما إذا كان قد بدأ بالفعل في بناء شبكة اجتماعية أم لا يزال يقضي وقته منفرداً.
وأضافت أن المطلوب ليس مراقبة الطالب بطريقة تشعره بأنه تحت الاختبار، وإنما ملاحظة الصورة العامة، خصوصاً إذا تكرر جلوسه بمفرده، أو تجنب الأنشطة، أو بدا متردداً في الاقتراب من زملائه، مشيرة إلى أن زميل الدعم يوفر وسيلة تدخل طبيعية وغير محرجة، لأن دمج الطالب يتم من خلال طالب آخر.
زميل وليس مراقباً
وحذر التربوي مؤمن محسن عثمان من تحويل فكرة «زميل الدعم» إلى مهمة رسمية ثقيلة أو وسيلة لمراقبة الطالب الجديد، مؤكداً أن نجاحها يرتبط ببساطتها ووضوح دورها.
وقال إن زميل الدعم ليس مطلوباً منه متابعة المستوى الدراسي للطالب أو حل مشكلاته أو نقل تفاصيل سلوكه إلى المعلمين، وإنما مساعدته على تجاوز الحواجز الاجتماعية والتنظيمية البسيطة التي تواجه أي شخص يدخل بيئة جديدة.
وأضاف أن المعلمين والاختصاصيين يظلون مسؤولين عن متابعة الطالب، خصوصاً عند استمرار مؤشرات مثل العزلة الشديدة، أو رفض المشاركة، أو تكرار الرغبة في العودة إلى المنزل، أو عدم تكوين أي علاقات بعد فترة مناسبة.
وأكد أن وجود زميل الدعم لا يلغي دور المدرسة، بل يوفر للطالب نقطة اتصال قريبة من عمره يستطيع اللجوء إليها في المواقف اليومية البسيطة.
الطالب شريك في الاندماج
وقالت التربوية الدكتورة رحاب الشافعي إن تخصيص زميل دعم لا يعني إعفاء الطالب الجديد من مسؤولية المبادرة، وإنما منحه دفعة أولى تساعده على التحرك بنفسه.
وأوضحت أن الطالب يحتاج بعد الأيام الأولى إلى توسيع دائرة معارفه، والمشاركة في الأنشطة ومجموعات العمل، والسؤال عما لا يعرفه، وعدم انتظار الآخرين في كل مرة لبدء الحديث معه.
وأكدت أن الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والتطوعية تمثل امتداداً مهماً لفكرة زميل الدعم، لأنها تنقل الطالب من علاقة أولية بشخص واحد إلى شبكة أوسع من الزملاء تجمعهم اهتمامات مشتركة.
تجاوز «مدرستي السابقة»
وأكد الاختصاصي النفسي تامر عادل أبوالعطا أن الطالب المنتقل إلى مدرسة جديدة قد يحمل معه ارتباطاً قوياً بمدرسته وأصدقائه السابقين، وهو أمر طبيعي، إلا أن المقارنة اليومية بين التجربتين يمكن أن تؤخر اندماجه.
وأوضح أن وجود زميل داعم يساعد بصورة غير مباشرة في تجاوز هذه المرحلة، لأنه يفتح أمام الطالب تفاصيل إيجابية في تجربته الجديدة، ويمنحه فرصة لصناعة ذكريات وعلاقات جديدة بدلاً من البقاء في دائرة المقارنة.
وشدد على أهمية عدم الضغط على الطالب ليعلن بعد أيام أنه أصبح سعيداً أو كوّن أصدقاء، لأن الاندماج يختلف من شخصية إلى أخرى، لافتاً إلى أن استمرار الانسحاب الاجتماعي الشديد أو الشكوى المتكررة من الوحدة أو رفض المدرسة يستدعي تدخلاً أعمق من المدرسة والأسرة.
مبادرة تتحول إلى ثقافة
وأكدت التربوية شرين يحيى أن الفكرة يمكن أن تتجاوز مساعدة الطالب الجديد لتصبح جزءاً من ثقافة المدرسة، بحيث يدرك الطلبة القدامى أن استقبال زميل جديد مسؤولية اجتماعية مشتركة.
وأضافت أن المدرسة تستطيع اختيار عدد من الطلبة المؤهلين لأداء هذا الدور، وتوعيتهم بطبيعته وحدوده، ثم تخصيص أحدهم لكل طالب جديد، مع مراعاة العمر والصف والاهتمامات قدر الإمكان.








