لا تبدأ الاكتشافات العلمية دائماً بلحظات إلهام استثنائية، بل قد تنطلق من سؤال بسيط، أو فرضية غير مكتملة، أو تجربة لا تسير وفق التوقعات.
وبين المحاولات المتكررة والبحث عن إجابات جديدة، تتشكل مسيرة الباحثين الذين يدفعهم الفضول العلمي إلى تجاوز المألوف واستكشاف آفاق غير مطروقة.
ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة الباحثة الإماراتية جواهر الحمادي، الفائزة بالجائزة الكبرى ضمن برنامج الشرق الأوسط للباحثات «لوريال-اليونسكو من أجل المرأة في العلم» لعام 2026، تقديراً لأبحاثها في مجال الهندسة الحيوية بجامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا، والتي تسعى من خلالها إلى تطوير نماذج قابلة للتخصيص لأغشية الخلايا، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الأبحاث المرتبطة بالأمراض وتطوير اختبارات الأدوية.
ويعكس هذا التكريم أهمية الأبحاث التي تربط المعرفة العلمية بالتطبيقات العملية، إذ تعمل الحمادي على تطوير نماذج تحاكي أغشية الخلايا وتتيح للباحثين دراستها بطرق أكثر مرونة وتخصصاً، بما قد يساعد مستقبلاً على فهم العمليات الحيوية بصورة أعمق، وتوفير أدوات بحثية تسهم في تطوير الدراسات الطبية واختبار الأدوية.
معرفة جديدة
وترى الحمادي أن جوهر البحث العلمي لا يقتصر على استيعاب المعارف القائمة أو البناء على ما توصل إليه الآخرون، بل يتطلب الانتقال إلى مرحلة إنتاج معرفة جديدة، من خلال طرح الأسئلة، واختبار الفرضيات، والجرأة على استكشاف مسارات لم تُطرق من قبل.
وتؤكد أن الخوف من المجهول لا ينبغي أن يكون عائقاً أمام خوض التجارب الجديدة أو اغتنام الفرص، مشيرة إلى أن الشعور بالاستعداد الكامل قد لا يتحقق دائماً قبل اتخاذ الخطوة الأولى، وأن التقدم في المسار العلمي والمهني يتطلب أحياناً المبادرة رغم التردد.
وتقول: «ليس عليكِ أن تشعري بأنكِ مستعدة تماماً، أو أن تتخلصي من الخوف قبل الإقدام على خطوة جديدة، فأحياناً تكمن الشجاعة في المضي قدماً رغم الخوف، وقد تكون الفرص التي تثير فينا أكبر قدر منه هي نفسها التي تغير مسار حياتنا ومستقبلنا المهني.
وتكشف هذه الرؤية جانباً من فلسفة الحمادي في التعامل مع البحث العلمي، باعتباره رحلة مستمرة من التعلم والاستكشاف، لا مساراً مضمون النتائج؛ فالتقدم لا يتحقق دائماً وفق خطوات متوقعة، وإنما يحتاج إلى مرونة في التفكير، واستعداد لتقبل الاحتمالات الجديدة، والثقة بقدرة التجربة على فتح أبواب لم تكن في الحسبان.
نماذج متقدمة
ويحمل عمل الحمادي في مجال الهندسة الحيوية بعداً تطبيقياً مهماً، إذ يمكن أن تسهم النماذج المتقدمة لأغشية الخلايا في توفير بيئات بحثية أكثر قابلية للتخصيص، بما يدعم دراسة التفاعلات والعمليات المرتبطة بالخلايا، ويعزز إمكانات تطوير أدوات واختبارات أكثر دقة في مجالات البحث الطبي والدوائي.
وتكتسب هذه الأبحاث أهمية في ظل الحاجة المتزايدة إلى نماذج علمية تساعد على فهم آليات الأمراض، وتقييم فاعلية المركبات الدوائية، وتطوير أساليب بحثية أكثر تخصصاً. كما تعكس دور الهندسة الحيوية في توظيف التقنيات الهندسية والعلمية لمعالجة تحديات ترتبط بصحة الإنسان وجودة الحياة.
علوم وابتكار
ويأتي فوز الحمادي ضمن الدورة الثالثة عشرة من برنامج الشرق الأوسط للباحثات «لوريال-اليونسكو من أجل المرأة في العلم»، الذي يواصل دعم الباحثات العربيات وتسليط الضوء على إسهاماتهن في مجالات العلوم والابتكار. وأسهم البرنامج، منذ إطلاقه، في دعم 69 باحثة عربية، من خلال منح تجاوزت قيمتها الإجمالية 4 ملايين درهم.
ولا يمثل التكريم تقديراً للإنجاز البحثي فحسب، بل يسلط الضوء أيضاً على أهمية توفير بيئة داعمة للباحثات، تتيح لهن مواصلة تطوير مشروعاتهن العلمية وتحويل الأفكار البحثية إلى حلول وتطبيقات قابلة للتطوير.
وتجسد تجربة جواهر الحمادي نموذجاً للباحثة الإماراتية التي تسهم في تطوير المعرفة العلمية من خلال تخصص دقيق وأبحاث ذات آفاق تطبيقية، وتؤكد أن الطريق إلى الابتكار لا يتطلب امتلاك جميع الإجابات منذ البداية، بقدر ما يحتاج إلى الشغف بالمعرفة، والجرأة على طرح الأسئلة، والاستمرار في البحث حتى وسط الغموض والتحديات.
ملاحظة تحريرية: ركزت الصياغة على جواهر الحمادي، وحذفت قصص الباحثات الخمس الأخريات.
كما أبقيت خلفية البرنامج في فقرة ختامية قصيرة لتوضيح سياق الجائزة، من دون أن تطغى على الشخصية الرئيسية. ويُفضّل التأكد من المسمى الدقيق للنماذج التي تطورها الحمادي وطبيعة تطبيقاتها البحثية قبل النشر.

