8 محاور في رؤية لانا نسيبة لمستقبل الأمم المتحدة

تطرح لانا زكي نسيبة، في وثيقة رؤيتها للأمم المتحدة التي عرضت فيها تصورها وبرنامجها للمنظمة، رؤية تنطلق من أزمة الثقة التي تواجه العمل الدولي اليوم، وتصل إلى سؤال أكثر عملية: كيف يمكن أن تصبح المنظمة قادرة على إثبات جدوى الاتفاق والتعاون للدول وللناس الذين تخدمهم؟ 

وتختصر نسيبة رؤيتها منذ البداية بعبارة مفادها أن الأمم المتحدة لم تُنشأ لكي تتفق مع العالم، وإنما لمساعدة العالم على الوصول إلى الاتفاق.

وتنطلق من تجربتها في الخدمة العامة لتقول إنها شاهدت خصوماً يتفقون على إطلاق سراح أسرى، ودولاً متحاربة تتوافق على ممر للغذاء والدواء، ومجلس أمن منقسماً يتمكن من التحدث بصوت واحد، معتبرة أن مسيرتها قامت على المساعدة في الوصول إلى اتفاق داخل غرف قيل فيها إن الاتفاق مستحيل.

1. ثمن التسوية

يبدأ المحور الأول من رؤية نسيبة بفكرة أن جوهر الأمم المتحدة يقوم على رهان واضح: أن تقبل الدول بتقديم شيء اليوم مقابل مكاسب أكبر تتحقق للجميع على المدى الطويل.

وتستشهد بما تحقق خلال ثمانية عقود، من بقاء الجدري في المختبرات فقط، إلى تعافي ثقب الأوزون، وعدم انتشار الأسلحة النووية إلى عشرات الدول كما كان متوقعاً، وترى أن هذه الإنجازات تطلبت من الحكومات قبول تكلفة ملموسة مقابل منفعة لم تكن نتائجها فورية. 

لكن المشكلة، وفق رؤيتها، أن ثمن التسوية فوري وغالباً ما تتحمله الدولة منفردة، في حين أن مكاسبها بعيدة ومشتركة، ومع تراجع الثقة بين الدول وفي الأمم المتحدة نفسها، أصبحت حكومات أقل استعداداً لقبول هذه المعادلة.

وتلفت في هذا السياق إلى أن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أنهت ثلاث مؤتمرات مراجعة متتالية من دون التوصل إلى نتيجة متفق عليها، وبالنسبة إلى نسيبة، لا يعني ذلك أن الدول لم تعد بحاجة إلى بعضها البعض، وإنما أنها لم تعد تثق بما يكفي في أن التعاون سيحقق العائد المطلوب، ومن هنا تحدد المهمة: إعادة بناء الثقة عبر نتائج أسرع وأكثر واقعية ويقيناً، والوفاء بالوعود التي يتم تقديمها.

2. ما دور الأمين العام؟

في المحور الثاني، تناقش نسيبة طبيعة منصب الأمين العام وحدود قوته، فالميثاق لا يمنحه جيشاً ولا صوتاً، لكن استقلالية الموقع تمنحه، وفق رؤيتها، نوعاً مختلفاً من القوة يتمثل في القدرة على جمع الآخرين حول اتفاق، وهي قدرة تعتمد أساساً على الثقة.

وتقول إنها تأخذ على محمل الجد المادة 100 من ميثاق الأمم المتحدة والمسؤولية عن العمل لمصلحة المنظمة وحدها، مشيرة إلى أنها أخذت إجازة من منصبها وزيرة دولة في وزارة الخارجية الإماراتية، ومؤكدة أنها تريد أن تقدم نفسها للمنصب بالطريقة التي ستؤديه بها: التحدث بصراحة مع كل حكومة من دون الخضوع لأي منها، ومن دون استثناءات للأصدقاء أو ضغائن تجاه المنتقدين.

وترسم كذلك حدوداً واضحة للدور، فالدول الأعضاء هي التي تضع التفويضات وتعتمد الميزانيات وتتخذ القرارات، والأمين العام لا يستطيع فرض التوافق، لكنه يستطيع تقديم الأدلة، وطرح الخيارات، وتوفير الاتجاه الاستراتيجي، وفتح الباب أمام الأطراف عندما تصبح جاهزة للتوصل إلى اتفاق.

وتقول إنها ستقيس عملها بالأثر الذي يحققه وليس بما يعلنه، وستتحدث بوضوح عندما يصبح الصمت خطراً على الناس، وستعمل بهدوء عندما يصبح الضجيج خطراً عليهم، مع تخصيص وقت أكبر للمناطق القريبة من خطوط المواجهة والأماكن التي يمكن إيجاد الاتفاقات فيها.

3. السلام

السلام في رؤية نسيبة لا يبدأ بالضرورة باتفاق سياسي ضخم، فعادة ما يتشكل بصورة تدريجية من اتفاقات أصغر: هدنة محلية، أو تبادل للأسرى، أو ممر لإيصال الغذاء والدواء، وتمثل كل واحدة منها خطوة توفر دليلاً على قدرة الطرف الآخر على الوفاء بكلمته.

وتضع الوقاية في مقدمة هذه الخطوات، باعتبارها الأقل كلفة والأكثر جوهرية، وتقول إنها ستستخدم الدبلوماسية الهادئة لمنع النزاعات من التصاعد، وعندما يندلع الصراع، تقترح أن تحدد الأمانة العامة، بالتعاون مع مجلس الأمن والدول الأعضاء، ما يمكن الاتفاق عليه في اللحظة الراهنة، ثم تساعد الأطراف على الوصول إليه وتتابع تنفيذه وتتحقق من استمراره. 

كما لا ترى أن الأمم المتحدة مطالبة بقيادة كل عملية سلام، لكنها ترى ضرورة أن تكون مستعدة للحضور في كل مكان تكون فيه لوجودها قيمة، والعمل بمرونة مع المنظمات الإقليمية وهياكل الوساطة والجهات التي تثق بها الأطراف.

وتدعو كذلك إلى إعادة وضع الأطراف الأقرب إلى النزاع في قلب جهود السلام، باعتبارها الأكثر تأثراً بالنتائج وغالباً الأكثر فهماً لتعقيدات الحلول المطلوبة.

وفي عمليات حفظ السلام، تقترح بناء حوار أكثر ديناميكية وصراحة بين الأمانة العامة ومجلس الأمن، وتقديم خيارات عملية في الوقت المناسب. كما تقول إنها ستطلب تقييم كل بعثة لحفظ السلام وفق اليوم الذي يمكنها فيه المغادرة بصورة مسؤولة، عندما يصبح السلام الذي تحميه قادراً على الاستمرار من دونها.

4. نتائج تستطيع الدول الإشارة إليها

في التنمية، تنطلق نسيبة من التحولات التي شهدها العالم نفسه. وتشير إلى خروج أكثر من مليار شخص من الفقر منذ عام 1990، بالتزامن مع انتقال القوة الاقتصادية وتطور الاستراتيجيات التنموية للدول، بينما لا يزال التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 متفاوتاً بصورة كبيرة. 

وترى أن نموذج المساعدات الذي موّل العقود الثلاثة الماضية لن يعود بالطريقة نفسها، لذلك فإن مطالبة الأمم المتحدة بالمزيد من النموذج ذاته لن تكون كافية، وفي المقابل، يمكن لمنظمة تُظهر بوضوح ما حققته كل مساهمة، دولةً بدولة ومجتمعاً بمجتمع، أن تقدم حجة أقوى لاستمرار التعاون معها. 

وتحدد رؤيتها عدة اتجاهات واضحة:

الأول، جعل الأولويات الوطنية أساساً للتعاون الإنمائي، بدلاً من البرامج المجزأة التي تقودها الوكالات.

الثاني، وضع الوظائف في قلب التنمية. وتشير إلى أن أكثر من مليار شاب سيدخلون سوق العمل في الدول النامية خلال السنوات الـ15 المقبلة، معتبرة أن العمل هو من أكثر النتائج التي تسأل عنها الحكومات، في وقت ترى فيه أن الأمم المتحدة غير مهيأة بالقدر الكافي لتحقيقها.

الثالث، توسيع فرص التنمية في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاعات والكوارث، عبر تعاون أوثق بين الجهات التنموية والإنسانية بمجرد ظهور فرص للتنمية.

الرابع، معالجة التسعير غير الدقيق للمخاطر الاستثمارية عبر التعاون بصورة أكبر مع بنوك التنمية والقطاع الخاص لتحسين البيانات المتاحة للمستثمرين، بما يساعدهم على تقييم المخاطر على نحو أدق وخفض تكلفة رأس المال عندما تكون تلك المخاطر مبالغاً في تقديرها.

الخامس، الدفع نحو حلول أكثر عدالة للديون باستخدام مكانة الأمين العام وقدرته على جمع الأطراف لبناء اتفاق حول حلول عملية وتحويل المقترحات القائمة إلى إجراءات.

والسادس، إقامة شراكات جديدة مع المؤسسات الخيرية والقطاع الخاص من خلال نماذج التمويل المدمج التي يمكنها اختبار الحلول وإظهار نتائجها وجذب استثمارات أوسع. 

وتختصر نسيبة فلسفتها التنموية بالقول إن أداء النظام الإنمائي يجب أن يُقاس بما تستطيع كل دولة الإشارة إليه كنتيجة، وليس بما أنفقه النظام. 

5. حقوق الإنسان.. أساس مشترك للاتفاق

تخصص نسيبة المحور الخامس لحقوق الإنسان، وتقدمها باعتبارها نسيجاً مشتركاً يجمع البشرية من خلال الاعتراف بالكرامة الأصيلة لكل إنسان.

وتشدد على أن مبادئ حقوق الإنسان لا تنتمي إلى مجموعة محددة من الدول، بل هي مبادئ عالمية للمساواة والتسامح، ويجب حمايتها وتعزيزها بصرامة ومن دون معايير مزدوجة.

وتضع هنا قاعدة واضحة: مصداقية الأمم المتحدة في حقوق الإنسان تعتمد على الاتساق في التطبيق.

كما تربط بين السلام والتنمية وحقوق الإنسان باعتبارها ركائز يعزز بعضها بعضاً؛ فحماية حقوق الإنسان تهيئ الظروف للسلام والتنمية، ومعالجة قضايا الأمن تدعم النمو والكرامة الإنسانية.

وتتعهد، في حال توليها منصب الأمين العام، بالدفاع عن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والدعوة إلى تمويل ركيزة حقوق الإنسان في المنظمة بمستوى يتناسب مع تفويضها. 

6. ما يحتاجه الغد

ينتقل المحور السادس إلى المستقبل، وفي مقدمته الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والمناخ والشباب.

وترى نسيبة أن التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية توفر فرصة استراتيجية لبناء اتفاق دولي، وتستحضر تجربة الحرب الباردة، حين تمكن خصوم لم يكونوا يتفقون على الكثير من الوصول إلى ترتيبات تقلل مخاطر سوء الفهم، لتطرح الذكاء الاصطناعي اليوم باعتباره مجالاً يمكن أن يشكل بدوره نقطة لبناء التعاون. 

لكن الرهان في رؤيتها لا يتعلق بتطوير التقنية وحده، وإنما بإتاحتها، فهي ترى أن إمكانات الذكاء الاصطناعي في التنمية لن تكون ذات معنى إذا كانت الدول التي يمكنها الاستفادة منه أكثر من غيرها هي آخر من يصل إليه.

وتقترح في هذا الإطار آليات اختيارية للإبلاغ عن الحوادث وتبادل المعرفة في الوقت الفعلي، واختبارات طوعية مشتركة للأنظمة الأكثر قوة، وتوسيع فرص الوصول والمشاركة أمام الدول التي تعيش آثار هذه التقنيات لكنها لا تطورها بنفسها.

وعلى صعيد المناخ، تقول إن تغير المناخ يعيد تشكيل ظروف التنمية والسلام والازدهار، وترى أن دور الأمم المتحدة يتمثل في مساعدة الدول على استباق الآثار وبناء القدرة على الصمود حيث تكون الهشاشة أشد، وتنفيذ الالتزامات التي قطعتها.

أما الشباب، فتشير إلى أن نحو نصف سكان العالم تقل أعمارهم عن 30 عاماً، وأن العديد منهم يديرون بالفعل شركات ومدناً وحركات. ومن هذا المنطلق، ترى أن الأمم المتحدة لا ينبغي أن تقول لهم إن وقتهم سيأتي، بل أن تستفيد من استعجالهم وتضعهم في مواقع صنع القرار.

7. منظمة تستحق أن يُدفع من أجلها

تنتقل نسيبة بعد ذلك إلى داخل المؤسسة نفسها، وتطرح رؤيتها لمنظمة أكثر تركيزاً، تقوم بعمل أقل عندما يكون الآخرون أقدر على التنفيذ، وتفعل المزيد عندما تكون الأمم المتحدة وحدها قادرة على القيام بالمهمة. 

وتقول إن الدول الأعضاء لن تستثمر في أمم متحدة تطلب منها الثقة فقط، وإنما في منظمة تظهر العائد من عملها.

وتقترح أن يقدم كل برنامج رئيسي تابع للأمانة العامة تقريراً يوضح النتائج مقارنة بالتكاليف بصورة واضحة، وأن تتم دعوة الصناديق والوكالات إلى القيام بالمثل.

كما تطرح معالجة ازدواجية العمل، بحيث يتم دمج الأعمال المتداخلة داخل الأمانة العامة مباشرة، بينما تُعرض الأدلة على الدول الأعضاء ومجالس الإدارة في النظام الأممي الأوسع عندما تقوم أكثر من جهة بالعمل نفسه في المكان نفسه، بحيث يمكن اتخاذ قرار بتنفيذ العمل مرة واحدة. 

وتتعهد أيضاً بالتحدث مباشرة مع الحكومات بشأن المتأخرات المالية وما تعتمد عليه المنظمة من مساهماتها.

وفي ما يتعلق بموظفي الأمم المتحدة، تقول إن التغيير المؤسسي يكون أكثر صعوبة على الأشخاص الذين يقومون بالعمل يومياً، وتربط ما ستطلبه منهم بما ستمنحه في المقابل: وضوح الغرض من العمل، ومكافأة النتائج بدلاً من تجنب المخاطر، وتوفير الحماية في مناطق الخطر، كما تقول إن فريقها القيادي الأعلى سيُختار على أساس التميز وسيعكس العالم الذي تخدمه المنظمة والمبادئ التي تتمسك بها.

8. العمل الذي ينتظرنا

وتختتم نسيبة الوثيقة بلغة شخصية، مستحضرة طفليها وما تعلمته منهما عن الصبر والإلحاح في الوقت نفسه.

وتقول إنها، مثل كل والد، تعيش وفق ساعتين: الاحتياجات الفورية لطفليها اليوم، والمستقبل الطويل الذي تريد توفيره لهما؛ ولا يستطيع أحدهما الانتظار حتى يتحقق الآخر.

وتطبق الفكرة نفسها على الأمم المتحدة: التعامل مع أزمات الحاضر لا يمكن أن ينتظر بناء المستقبل، كما أن التفكير في المستقبل لا يلغي ضرورة التحرك الآن.

ثم تعود في ختام الرؤية إلى فكرتها الأساسية: الأمم المتحدة لم تُنشأ لكي تتفق مع العالم، وإنما لكي تساعد العالم على إيجاد الاتفاق، وتقدم ترشحها على أساس العمل الذي تقول إنها تعرفه بصورة أفضل: جعل الاتفاق مجدياً ويستحق السعي إليه.