«القمة العالمية للعلماء».. جرس إنذار لإعادة صياغة العلاقة بين العلم والسياسة

دبي - مرفت عبدالحميد وجميلة إسماعيل ومريم العدان

في أكبر تجمّع عالمي للحائزين على جوائز نوبل ونخبة من العلماء والأكاديميين والخبراء، فتحت القمة العالمية للعلماء، التي استضافتها دبي على مدار يومين، نافذة استثنائية لإعادة طرح سؤال جوهري، طالما شغل الأوساط العلمية وصناع القرار: هل يمكن للعلم أن يزدهر بعيداً عن إرادة سياسية واعية ومستمرة؟

علماء وأكاديميون مشاركون في القمة العالمية للعلماء، أكدوا لـ«البيان» أنها ليست مجرد حدث علمي، بل جرس إنذار عالمي، يدعو إلى إعادة صياغة العلاقة بين العلم والسياسة، على أساس من الثقة والشراكة والرؤية المستقبلية.

وقالوا إن العلم، مهما بلغ من تقدم، لا يمكنه أن يزدهر أو يخدم الإنسانية، ما لم يجد إرادة سياسية تؤمن به، وتحميه، وتمنحه المساحة ليقود المستقبل، مثمنين دور الإمارات المحوري في دعم العلم والعلماء.

وقال الدكتور عيسى البستكي إن التحدي الأكبر الذي يواجه البحث العلمي اليوم، لا يتمثل في نقص الأفكار أو الكفاءات، بل في غياب الأطر السياسية والتشريعية القادرة على استيعاب سرعة التطور العلمي.

وأكدت الدكتورة شينا اينغار، التي تعتبر من بين أفضل 10 مفكرين إداريين في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، أن العلم لا يعيش في فراغ، بل هو منظومة متكاملة، تبدأ من المختبر، لكنها لا تكتمل إلا عندما تتبناها السياسات العامة.

وتترجم إلى قرارات وتمويل وتشريعات. وأضافت أن العديد من الاكتشافات بقيت حبيسة الأدراج لسنوات طويلة، بسبب تردد سياسي، أو غياب رؤية طويلة الأمد، ما تسبب في إهدار فرص إنسانية واقتصادية كبرى.

ردم الفجوة

من جهته، قال الدكتور أندرو ماركس من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، إن أهمية القمة العالمية للعلماء، تكمن في قدرتها على ردم الفجوة بين المجتمع العلمي وصناع السياسات، من خلال حوارات مباشرة، تطرح فيها التحديات دون مواربة، وتقدم فيها توصيات قابلة للتطبيق.

بدوره، قال الدكتور ديفيد شوم المؤسس والرئيس التنفيذي لإكسير بالولايات المتحدة الأمريكية، إن المطلوب اليوم ليس فقط دعم العلم بالتمويل، بل اعتباره شريكاً استراتيجياً في صناعة القرار، فالتجارب الدولية الناجحة، أثبتت أن الدول التي وضعت العلماء على طاولة القرار، استطاعت تسريع الابتكار، وتحقيق قفزات نوعية في التنمية.

كما أشار الدكتور شريف موسى عميد كلية الهندسة بالجامعة الكندية، إلى أن القمة شهدت زخماً علمياً غير مسبوق، وسعت من خلاله إلى توجيه رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن الاستثمار في العلم لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية، في عالم تتسارع فيه الأزمات الصحية والمناخية والتكنولوجية.

ازدهار العلم

وفي السياق، شددت كارولي وينستاين باحثة مستقلة، وشريكة عالم الفيزياء الحائزة على جائزة نوبل، على دور القادة في ردم الفجوة بين البحث العلمي والتطبيق العملي، مؤكدة أن ازدهار العلم لا يتحقق من خلال الأفكار وحدها، بل عبر قيادة واعية، تترجم المعرفة إلى ممارسات تخدم الناس.

وأشارت إلى أن التعاون بين العلماء والأطباء والمهندسين، خصوصاً في مجال الذكاء الاصطناعي، يظل ناقصاً، ما لم يتم بناؤه على ثقة متبادلة مع الممارسين السريريين والمرضى، معتبرة أن هذه الثقة عنصر أساسي لاعتماد الحلول التكنولوجية في القطاع الصحي.

وقالت إن القيادة الحقيقية تقوم على القدوة، من خلال تقديم نماذج تطبيقية واقعية، تعكس التزاماً فعلياً بتحسين جودة حياة الناس.

شغف المعرفة

من جانبه، أكد راجيش غوبكومار مدير وأستاذ متميز في المركز الدولي للعلوم النظرية في الهند، أن العلم يمتلك قدرة حقيقية على توحيد العالم، في زمن تتباعد فيه الدول، موضحاً أن الشغف بالمعرفة يشكل القاسم المشترك الذي يجمع العلماء، ويتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.

وربط هذا الدور التوحيدي للعلم بالحاجة إلى بيئة داعمة، تمكنه من أداء رسالته، مشيداً باستثمار دبي ودولة الإمارات في مجال العلوم، ومؤكداً أن أي تطور تكنولوجي أو ابتكار تطبيقي، لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن أساس راسخ من العلوم الأساسية.

فرصة استثنائية

وقال البروفيسور الأمريكي جون هوبكروفت، إن القمة العالمية للعلماء، تعتبر فرصة استثنائية لتوجيه نداء يقظة للعالم، لترسيخ حقيقة أن ازدهار العلم وتطبيقاته لخدمة البشرية، لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إرادة سياسية داعمة، وبوصلة سياسية توجه العلوم الأساسية لخدمة مستقبل البشرية.

وأكد أن هناك الكثير من الدول التي تعزز من خلال مؤسساتها دور العلم والمعرفة، بوصفهما قوة دافعة لبناء مستقبل أكثر تقدماً واستدامة للأجيال القادمة.

سياسات واعية

وأوضحت دكتورة انجي بنحامد محاضر أول ورئيسة قسم بكليات التقنية العليا، أن الابتكار والبحث العلمي في مختلف المجالات، يحتاجان إلى قرارات سياسية واعية، توفر البيئة التشريعية والتمويلية والمؤسسية المناسبة، وتضمن استدامة البحث وحرية المعرفة، بما يمكّن العلوم من التحوّل إلى حلول عملية، تسهم في تنمية المجتمعات وصناعة المستقبل.

وفي هذا السياق، تجسد دولة الإمارات نموذجاً رائداً في دعم العلم وتكريم العلماء، من خلال تنظيم مثل هذه القمم العالمية، التي تضع المعرفة في صميم التنمية، وتعكس إيمان قيادتها بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان والعقل والعلم.