يعتمد العديد من المرضى على «الإنترنت»، في تشخيص حالتهم، وينتقل بعضهم من مرحلة البحث عن المعرفة الصحية إلى التشخيص.
واتخاذ القرارات الطبية التي قد تصل إلى تأخير التوجه إلى الطوارئ أو تناول أدوية ومكملات وتغيير جرعات العلاج اعتماداً على المعلومات الإلكترونية.
وحذر أطباء من الظاهرة والمخاطر الناتجة عنها، لافتين إلى أن المشكلة لا تكمن في استخدام الإنترنت أو الذكاء الاصطناعي للحصول على الاستشارة الصحية.
بل تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات إلى بديل عن الطبيب والفحص السريري، وخصوصاً أن العَرَض الواحد قد يرتبط بعشرات الأسباب، من حالات بسيطة إلى أمراض تهدد الحياة.
وأكدوا أن الخط الفاصل في التعامل مع «المريض الرقمي» ليس بين استخدام التكنولوجيا أو رفضها، وإنما بين استخدامها لفهم الصحة بصورة أفضل وبين منحها قرار التشخيص والعلاج؛ فالمعلومة الرقمية قد تساعد المريض على طرح السؤال الصحيح، لكن الإجابة الطبية تظل مرتبطة بالتاريخ المرضي والفحص السريري والفحوص وخبرة الطبيب.
كما شدد الأطباء على أن بعض الأعراض لا تحتمل الانتظار أو الاستمرار في البحث عن تفسير إلكتروني لها، محذرين من إضاعة الوقت في البحث الإلكتروني عند ظهور أعراض تستدعي رعاية عاجلة.
وفي مقدمتها الألم أو الضغط الشديد أو المفاجئ في الصدر، وخصوصاً إذا ترافق مع ضيق التنفس أو التعرق أو الغثيان أو امتداد الألم إلى الذراع أو الرقبة أو الفك أو الظهر.
دراسات
وأشارت دراسات حديثة إلى أن مفهوم «المريض الرقمي» أصبح جزءاً من التحولات التي يشهدها قطاع الرعاية الصحية، ففي دراسة أجراها باحثون من إحدى الجامعات في المنطقة مؤخراً.
وشملت 1377 فرداً، أظهرت النتائج أن 43.9% من المشاركين فضلوا التشخيص الذاتي عبر الإنترنت على استشارة المختصين.
وكانت سهولة الوصول وانخفاض التكلفة من أهم دوافع تفضيل التشخيص الإلكتروني لدى 54.6% من المشاركين، فيما أشار 33.7% إلى توفير الوقت، و34.1% إلى الشعور بالثقة والارتياح.
كما أظهرت النتائج أن 17.9% أبدوا استعداداً لاستخدام أدوية تصرف من دون وصفة طبية بعد التشخيص الإلكتروني، و26.8% لاستخدام علاجات عشبية، بينما فضل 54.7% الحصول على تأكيد من مختص صحي قبل بدء العلاج.
دردشة
وفي مؤشر آخر، كشف تقرير حديث نشرته مؤسسة متخصصة في السياسات الصحية، عن تزايد لجوء الأفراد إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة المتعلقة بالصحة الجسدية والنفسية.
في وقت لا يتبع فيه عدد كبير منهم هذه الاستشارات بمراجعة طبيب أو مختص، وأظهر الاستطلاع، الذي شمل 1343 بالغاً، أن نحو ثلث المشاركين استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على نصائح صحية.
فيما لم يراجع 42% منهم طبيباً بعد طلب المشورة بشأن مشكلات جسدية، وارتفعت النسبة إلى 58% بين من استخدموها للحصول على دعم أو نصائح تتعلق بالصحة النفسية.
كما أظهر التقرير أن الفئة العمرية بين 18 و29 عاماً هي الأكثر اعتماداً على هذه الأدوات والأقل ميلاً إلى متابعة الاستشارة مع الأطباء أو المختصين، إذ يستخدم الشباب الذكاء الاصطناعي في المسائل المرتبطة بالصحة النفسية بمعدل يصل إلى ثلاثة أضعاف البالغين الذين تجاوزوا سن الخمسين.
دقة
وتطرح هذه الدراسات سؤالاً حول مدى إمكانية الاعتماد على ما يحصل عليه «المريض الرقمي» من تشخيصات أو تفسيرات لأعراضه، وهو ما يراه أطباء نقطة فاصلة بين استخدام التكنولوجيا للحصول على المعرفة وبين اتخاذ قرار طبي بناء عليها.
وقال الدكتور لالو تشاكو، المدير الطبي لمجموعة مستشفيات ومراكز ميدكير الطبية، إن لجوء المرضى إلى الإنترنت ومحركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي قبل زيارة الطبيب أصبح شائعاً بصورة متزايدة.
مشيراً إلى أن المرضى يبحثون بصورة متكررة عن الصداع والإرهاق والدوار واضطرابات المعدة أو البطن والتغيرات الجلدية ومشكلات النوم والتغيرات غير المبررة في الوزن، إلى جانب السكري واضطرابات الغدة الدرقية والعدوى ونقص الفيتامينات.
وأوضح أن البحث يمكن أن يمثل خطوة أولى مفيدة نحو فهم الحالة الصحية، إلا أن العارض نفسه قد تكون له أسباب متعددة، مشدداً على ضرورة التمييز بين البحث عن معلومات حول عرض ما وتشخيص الحالة ذاتياً.
وأشار إلى أن الطبيب يمتلك صورة سريرية لا تستطيع أدوات البحث امتلاكها، تشمل التاريخ الطبي للمريض، والأدوية التي يتناولها، والتاريخ المرضي للعائلة، والفحص السريري، ونتائج الفحوص عند الحاجة.
وضرب مثالاً بالشعور بالتعب، الذي قد يرتبط بقلة النوم أو التوتر، لكنه قد يكون أيضاً مرتبطاً بفقر الدم أو اضطرابات الغدة الدرقية أو نقص بعض العناصر الغذائية أو العدوى أو حالات صحية أخرى.
وحذر من نتيجتين متناقضتين للبحث الإلكتروني، تتمثل الأولى في إثارة قلق غير ضروري عندما تظهر للمريض أمراض خطرة تكون احتمالية إصابته بها منخفضة، فيما تتمثل الثانية في الشعور الزائف بالاطمئنان الذي قد يدفعه إلى تجاهل عرض يستدعي رعاية طبية.
طوارئ
ولا تقتصر مخاطر التشخيص الذاتي على القلق أو سوء تفسير الأعراض، إذ قد تمتد إلى تأخير طلب الرعاية في حالات تستدعي تدخلاً عاجلاً.
وقال الدكتور هشام طايل، استشاري أمراض القلب وأخصائي أمراض القلب التداخلية، إن الانتشار الواسع للهواتف الذكية والمواقع الصحية وبرامج الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي جعل الحصول على معلومات طبية خلال ثوانٍ أمراً متاحاً.
فيما تشمل أكثر الأعراض التي يبحث عنها المرضى ألم الصدر والخفقان وضيق التنفس والصداع والدوار وألم البطن والإرهاق وفقدان الوزن غير المبرر.
وحذر من أن الخطر الأكبر يتمثل في «التبسيط المفرط»، موضحاً أن ألم الصدر، على سبيل المثال، قد ينتج عن إجهاد عضلي أو ارتجاع المريء أو القلق، لكنه قد يرتبط أيضاً بالالتهاب الرئوي أو النوبة القلبية.
وكشف أنه صادف في الممارسة السريرية مرضى أخّروا طلب الرعاية الطبية لاعتقادهم بأن أعراضهم ناجمة عن التوتر أو عسر الهضم أو الإرهاق بعد مراجعة مصادر على الإنترنت.
مشيراً إلى أن بعض مرضى القلب والأوعية الدموية الذين كانوا يعانون ألماً في الصدر أجّلوا التوجه إلى قسم الطوارئ بعدما شعروا بالاطمئنان نتيجة معلومات وجدوها إلكترونياً.
وحذر من أن تأخير تشخيص وعلاج أمراض القلب قد يؤدي إلى تلف لا رجعة فيه في عضلة القلب، أو قصور القلب، أو اضطرابات خطرة في نظم القلب، وقد يصل في بعض الحالات إلى الوفاة.
وأشار كذلك إلى أنه صادف مرضى بدأوا تناول مكملات غذائية أو أدوية تصرف من دون وصفة طبية استناداً إلى توصيات حصلوا عليها إلكترونياً من دون معرفة الآثار الجانبية المحتملة أو التفاعلات الدوائية. وفي جانب آخر من الظاهرة، قد يقود البحث المتكرر عن الأعراض إلى زيادة القلق الصحي بدلاً من طمأنة المريض.
وقالت الدكتورة لينا مينون، استشارية طب الأسرة في مستشفى إن إم سي التخصصي – أبوظبي، إن التشخيص الذاتي الرقمي ينتشر بصورة خاصة بين الشباب والأشخاص المعتادين على استخدام التقنيات الرقمية.
وأوضحت أن المشكلة تبدأ عندما يتحول جمع المعلومات إلى تشخيص ذاتي، ويصبح المريض مقتنعاً بإصابته بمرض معين من دون الخضوع لتقييم سريري سليم. وحذرت من «القلق الصحي الرقمي» أو «سايبركوندريا».
حيث يمكن للبحث المتكرر عن الأعراض أن يزيد القلق بشأن الصحة، إذ قد يبدأ الشخص بعرض شائع ثم تقوده نتائج البحث إلى أمراض خطرة.
وقالت: إن الخطر المقابل، وربما الأكثر خطورة، يتمثل في الشعور الزائف بالاطمئنان، حين يجد المريض تفسيراً يبدو متوافقاً مع أعراضه ويقرر بناء عليه أن زيارة الطبيب غير ضرورية.
وأضافت أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكنها تقديم إجابة تبدو مقنعة للغاية رغم أنها قد تكون ناقصة أو غير صحيحة، كما أنها لا تستطيع فحص المريض أو تقييم مظهره وحالته العامة أو قياس مؤشراته الحيوية أو جس البطن أو الاستماع إلى الصدر.
وأشارت إلى أنها قابلت مرضى وصلوا إلى العيادة وقد كوّنوا بالفعل تشخيصاً لحالتهم، مثل الاعتقاد بالإصابة بالتهاب رئوي أو نقص فيتامينات أو التهاب الجيوب الأنفية أو السرطان، كما قابلت مرضى بدأوا تناول أدوية أو توقفوا عنها أو غيّروا جرعاتها بناء على معلومات حصلوا عليها عبر الإنترنت.
وحذرت بصورة خاصة من الاستخدام غير المناسب للمضادات الحيوية، إذ قد يعتقد المريض أن السعال أو التهاب الحلق أو الحمى ناجمة بالضرورة عن عدوى بكتيرية، فيتناول المضادات من دون حاجة، بما قد يسبب آثاراً جانبية ويسهم في مشكلة مقاومة مضادات الميكروبات.
استيعاب الحالة
وفي مقابل التحذيرات من الاعتماد على التكنولوجيا في التشخيص، رأى أطباء أن استخدامها بصورة صحيحة يمكن أن يجعل المريض أكثر استعداداً واستيعاباً لحالته الصحية.
وأوضح الدكتور بريان متيميريروا، استشاري طب الغدد الصماء والطب الباطني في مستشفى ميدكير رويال التخصصي، أن الاعتقاد بأن المرضى لا يستطيعون استخدام أدوات البحث والمعلومات لتوجيه قراراتهم يمثل مفهوماً خاطئاً، لافتاً إلى أن المرضى اعتادوا منذ سنوات تلقي نشرات صحية مكتوبة.
فيما أصبحت المعلومات اليوم متاحة بسهولة أكبر وبصورة أكثر تخصيصاً. وأوضح أن ما يحتاج إليه المريض هو معرفة كيفية توجيه استفساراته إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، بحيث يطلب معلومات موجهة إلى المرضى تساعده على التحضير لمناقشة سريرية مع طبيبه.
وأشار إلى أن مرضاه يأتون أحياناً إلى الاستشارة حاملين معلومات مفيدة حصلوا عليها مسبقاً، وهو ما يجعل الحوار والاستشارة أكثر ارتباطاً بحالتهم.
وأكد أن الذكاء الاصطناعي لا يقصد به أن يحل محل منظومة الرعاية الصحية، بل أن يكون جزءاً منها، يساعد المريض على تحسين الرعاية التي يتلقاها ويدعم مقدم الرعاية الصحية في اتخاذ قرارات دقيقة وفي الوقت المناسب وفق كل حالة.
ووصف الاستخدام الأمثل لهذه التقنية بأنه «ذكاء معزّز» وليس ذكاء اصطناعياً يحل محل الإنسان، إذ تتمثل قيمته في دعم العلاقة بين المريض والطبيب.
واتفق الأطباء على أن الاستخدام المسؤول للإنترنت والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد «المريض الرقمي» على فهم المصطلحات الطبية، وتنظيم المعلومات المتعلقة بأعراضه، وإعداد الأسئلة قبل الاستشارة، ومعرفة المزيد عن حالته بعد تشخيصها، إلا أن هذه الأدوات ينبغي أن تبقى مصدراً للمعلومات وليست جهة للتشخيص.
«سايبركوندريا».. تفاقم القلق الصحي جراء البحث المتكرر عن أعراض الأمراض عبر «النت»
مرضى يغيّرون خطة العلاج اعتماداً على المعلومات الإلكترونية
السهولة وانخفاض التكلفة من أهم أسباب انتشار الظاهرة
الطبيب يمتلك صورة سريرية لا تستطيع أدوات البحث «الذكية» امتلاكها
بحث متكرر عن الصداع والإرهاق واضطرابات المعدة أو البطن والتغيرات الجلدية ومشكلات النوم