أربعة أيام فقط كانت تفصل علي مجدي عمران، الشاب ذو الثلاثة والعشرين عاماً، عن اعتلاء منصة جامعة عجمان وحمل شهادة تخرجه في التسويق الإلكتروني، قبل أن تقلب لحظة خاطفة على الطريق أثناء القيادة كل الموازين، وتحول هذا الانتظار الطويل إلى وداع مفاجئ.
في ذلك الصباح، خرج علي كما خرج آلاف الخريجين قبله، حاملاً تفاصيل صغيرة، وكان حريصاً على إنهاء ترتيبات العلامات واستكمال الإجراءات، ليعيش لحظة التخرج كاملة، على عكس إخوته الذين تخرجوا في زمن الجائحة عبر شاشات افتراضية، كما يروي والده بصوت يختلط فيه الفخر بالحسرة.
بداية حلم
كان علي أصغر الأبناء الأربعة، «آخر العنقود»، كما يصفه الأب. لم يكن التخرج محطة نهائية، بل بداية حلم بعمل حر ومسار مستقل، وحلم آخر بسيط بأن يشتري لوالده سيارة بعد أن يبدأ العمل. تقول الأم، كما ينقل عنها الأب، إن علي كان أكثر من ابن؛ كان صديقها الأقرب وموضع سرها، وسنداً دائماً لشقيقته، يقف إلى جانبها بما يتجاوز الواجب. بهذا المعنى، لم يكن غيابه مجرد فراغ في سجل العائلة، بل فجوة عميقة في قلوبهم.
تحولت منصة التخرج إلى مكان تتقاطع فيه رمزية الفخر مع مرارة الفقد. خلال الحفل، وجه صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، عضو المجلس الأعلى حاكم عجمان، بإعادة جميع الرسوم الدراسية لأسرة علي. يصف الأب تلك اللحظة بأنها لمست قلب العائلة المنكسر، مؤكداً أن ما تلقوه كان مواساة إنسانية من القلب إلى القلب، في لحظة كان من المفترض أن يرفع فيها ابنه شهادته.
لم تتوقف دوائر العزاء عند المنصة. يوم العزاء، فوجئت الأسرة بطوفان من الوجوه المألوفة وغير المألوفة، كلها تحمل روايات عن شاب حاضر دائماً إلى جوار زملائه: يشرح، يساعد، يبتسم، ويقف خلف النجاحات الصغيرة التي لم تُكتب باسمه. يروي الأب كيف أدهشه كم المحبة التي أبداها الطلاب والأساتذة، وكيف تكشفت صورة ابنه في عيون الآخرين أكثر اتساعاً مما كان يظن. حتى إمام المسجد أبدى دهشته من كثافة الحضور وتلاقي الدعاء بالبكاء في جنازة شاب اختطفه الموت. الجيران وأهل الحي لم ينقطعوا عن ذكره بخير، وبعض المعارف اختاروا أن يحولوا حزنهم إلى أعمال خالدة باسمه، فخرجت عمرة وحفرت آبار صدقة جارية تهدي ماءها لكل عابر سبيل.
قصة إنسانية
بين لحظة الفرح والوداع المفاجئ، تتشكل حكاية علي مجدي عمران كقصة إنسانية مكثفة: شاب كريم، متسامح، متعاون، ترك أثراً أكبر من عمره، وغادر قبل أن يقطف ثمرة جهده، لكن سيرته لم تختتم بتاريخ الوفاة، بل تستمر في دعاء أم مكلومة، وقلب أب مكسور، وفي كل يد تمتد بالدعاء له، وفي كل قطرة ماء من بِئر حفرت باسمه، وكأن حياته القصيرة اختارت أن تمتد بطرق أخرى، أبعد من مدرج الجامعة وأوسع من قاعة التخرج.
