تناول الأدوية دون استشارة الطبيب يؤثر سلباً على الأداء ويتسبب في أخطاء مهنية
تأخير معالجة الأسباب يزيد القلق والاكتئاب ويضعف القدرة على مواجهة التحديات
تسمية المشاعر وفهم جذورها الخطوة الأولى نحو إدارتها بطريقة صحية
في ظل تسارع وتيرة العمل وارتفاع الضغوط المهنية ومتطلبات الإنجاز، يلجأ بعض الموظفين إلى استخدام الأدوية أو المكملات المهدئة أو بعض المشروبات والأعشاب التي صارت تُعرف باسم «جرعة الهدوء» ويُعتقد أنها تساعد على الاسترخاء والتخفيف من التوتر.
ويؤكد مختصون أن هذه الوسائل تمنح شعوراً مؤقتاً بالراحة، لكنها تخفي مشكلات أعمق مرتبطة بالإجهاد النفسي والبدني، فضلاً عن تأثيرها المحتمل في تقليل التركيز والانتباه والإنتاجية داخل بيئة العمل مما قد يتسبب في أخطاء مهنية.
ويرى مختصون أن الضغوط المهنية باتت من أبرز التحديات التي تواجه الموظفين في مختلف القطاعات، إلا أن التعامل معها لا ينبغي أن يعتمد على الحلول المؤقتة بقدر ما يحتاج إلى فهم الأسباب الحقيقية للتوتر ومعالجتها بطرق صحية ومستدامة تضمن الحفاظ على صحة الموظف النفسية والجسدية.
ضعف الانتباه
وقال الدكتور عبدالله عبدالرحمن الهاجري، استشاري الأمراض الباطنية وجراحة القلب التداخلية بمستشفى المدينة في مدينة دبي الطبية، إن الأدوية والمكملات المهدئة قد تؤثر سلباً على أداء الموظف من خلال تقليل التركيز والانتباه وسرعة الاستجابة والتأثير في الذاكرة قصيرة المدى والقدرة على الحكم على الأمور واتخاذ القرارات.
وأضاف أن بعض هذه الأدوية قد تسبب النعاس والدوخة وبطء الأداء نتيجة تأثيرها المباشر في نشاط الجهاز العصبي، الأمر الذي قد يرفع احتمالية التعرض للحوادث والإصابات أثناء العمل، خصوصاً عند التعامل مع الآلات الحادة أو في مواقع البناء أو أثناء قيادة السيارات والشاحنات.
وأوضح أن بعض مضادات الحساسية المسببة للنعاس، وخاصة من الجيل الأول مثل «البيريتون»، قد تؤدي إلى بطء ردود الفعل وصعوبة التركيز والتفكير الواضح، وقد يحدث ذلك حتى في حال عدم شعور الشخص بنعاس شديد.
كما أشار إلى أن تأثير بعض أدوية النوم والمهدئات قد يمتد إلى صباح اليوم التالي، ما قد ينعكس على قدرة الموظف على أداء مهامه واتخاذ قراراته خلال ساعات العمل والتسبب في الأخطاء المهنية.
وأضاف أن بعض المكملات والعلاجات العشبية المهدئة، مثل الناردين، قد يكون لها تأثير مهدئ أيضاً، وقد تزداد هذه التأثيرات عند استخدامها مع أدوية أو مواد أخرى ذات خصائص مهدئة، محذراً من أن الجمع بين أكثر من مادة مهدئة قد يؤدي إلى زيادة في النعاس وضعف الانتباه واليقظة.
أعراض الانسحاب
وأشار الهاجري إلى أن المخاطر تتضاعف عندما يكون الموظف مسؤولاً عن قيادة المركبات أو تشغيل الآلات والمعدات، أو يتعامل مع أموال وبيانات حساسة، أو يتخذ قرارات مالية وتشغيلية مهمة، أو يشغل وظيفة تتطلب سرعة استجابة ودقة عالية، وكذلك عند استخدام دواء مهدئ للمرة الأولى أو بعد زيادة الجرعة.
وشدد على عدم التوقف عن تناول المهدئات بشكل مفاجئ دون استشارة الطبيب المختص، موضحاً أن الإيقاف المفاجئ قد يؤدي إلى أعراض انسحاب خطيرة، وأن خفض الجرعة يجب أن يتم تدريجياً وتحت إشراف طبي.
ودعا إلى تعزيز الوعي بمخاطر الاستخدام الخاطئ للأدوية والمكملات، ومعالجة الأسباب الحقيقية للإرهاق والتوتر مثل قلة النوم وضغط العمل وسوء تنظيم فترات الراحة، إضافة إلى توفير بيئات عمل صحية تدعم الراحة والتعافي وعدم مشاركة الأدوية بين الموظفين، مع توفير قنوات آمنة وسرية لطلب المساعدة الطبية أو النفسية عند الحاجة.
ومن الجانب النفسي، أوضحت الدكتورة إيمان عبدالهادي، استشارية أسرية ونفسية وتربوية، أن لجوء بعض الموظفين إلى المهدئات أو المكملات المساعدة على الاسترخاء يرتبط غالباً بضغوط العمل المستمرة وتراكم المسؤوليات والقلق وصعوبات النوم، إضافة إلى الرغبة في تخفيف التوتر ومواصلة أداء المهام اليومية، خاصة لدى الأشخاص الذين لا يمتلكون وسائل صحية فعالة للتعامل مع الضغوط.
وأكدت أن الاستخدام المتكرر للمهدئات قد يكون مؤشراً على وجود احتراق وظيفي أو اضطرابات نفسية مثل القلق أو الاكتئاب، خصوصاً إذا أصبح الموظف يعتمد عليها بصورة مستمرة.
وأشارت إلى أن هذه الحالات تستدعي تقييماً من قبل مختص نفسي أو طبي للكشف عن الأسباب الحقيقية للمشكلة ووضع خطة علاجية مناسبة.
وأضافت أن بعض المهدئات قد تؤثر بشكل مباشر في التركيز والانتباه وسرعة الاستجابة والذاكرة قصيرة المدى، وهو ما قد ينعكس على جودة الأداء الوظيفي وقدرة الموظف على اتخاذ القرارات والتعامل مع المواقف التي تتطلب الدقة والسرعة، لا سيما عند استخدامها دون إشراف طبي.
وحذرت من أن الاعتماد على المهدئات كوسيلة لمواجهة التوتر والقلق قد يؤدي إلى الاعتماد النفسي أو الجسدي عليها مع مرور الوقت، فضلاً عن تأخير معالجة الأسباب الحقيقية للضغوط النفسية، ما قد يسهم في زيادة مشاعر القلق أو الاكتئاب على المدى البعيد ويضعف قدرة الفرد على مواجهة التحديات بطرق صحية وسليمة.
بدائل نفسية
وأكدت أن هناك العديد من البدائل النفسية والسلوكية التي يمكن أن تساعد الموظفين على إدارة الضغوط بعيداً عن المهدئات، من بينها تنظيم الوقت وتحديد الأولويات والحصول على فترات راحة منتظمة وممارسة النشاط البدني وتحسين جودة النوم، إضافة إلى تطبيق تمارين التنفس والاسترخاء وطلب الدعم النفسي عند الحاجة، فضلاً عن تنمية مهارات إدارة الضغوط وحل المشكلات بصورة فعالة.
ضغوط العمل
من جانبها، أكدت المستشارة ليلى بلبيسي، مستشارة الحياة ومدربة تطوير الذات، أن مواجهة ضغوط العمل لا تبدأ بتناول المهدئات، بل بفهم المشاعر وإدارتها بوعي.
وأوضحت أن ما يعرف بـ«البصيرة العاطفية» يساعد الإنسان على التعرف إلى مشاعره الحقيقية وأسبابها ودوافعها، ما يمكنه من التعامل معها قبل أن تتحول إلى ضغوط أو استنزاف نفسي يؤثر في حياته وعمله.
وقالت إن من المهم أن يسأل الموظف نفسه عن طبيعة المشاعر التي يعيشها، وهل هي ناتجة عن إحباط أو خوف أو غضب أو شعور بعدم التقدير، مؤكدة أن تسمية المشاعر وفهم جذورها تعد الخطوة الأولى نحو إدارتها بطريقة صحية.
وأضافت أن وسائل بسيطة مثل التنفس الهادئ والمراجعة الذاتية والكتابة وإعادة تأطير المواقف تساعد الإنسان على الانتقال من دائرة التوتر إلى دائرة الحلول.
وأشارت إلى أن ثقافة الشكر والتقدير داخل بيئة العمل تلعب دوراً كبيراً في تعزيز الصحة النفسية للموظفين، إذ إن شعور الفرد بأن جهوده محل تقدير واحترام يرفع مستوى الرضا الوظيفي والانتماء والدافعية، وينعكس إيجاباً على أدائه وإنتاجيته.
وأضافت: «لا تجعل المهدئات الدوائية خيارك الأول في التعامل مع الضغوط. ابحث عن السبب الحقيقي للتوتر، واستعن بالوسائل الصحية المناسبة، ولا تتردد في طلب المساعدة من المختصين عند الحاجة».
وفي صورة تعكس واقع بعض الموظفين، قالت بدرية الذباحي، إنها لجأت في بعض الفترات إلى استخدام بعض المكملات الغذائية مثل البوتاسيوم ومشروبات عشبية مثل الكركديه للتخفيف من التوتر والإجهاد الناتجين عن ضغط العمل وساعات الدوام الطويلة.
وأوضحت أن طبيعة العمل المكتبي والجلوس لفترات ممتدة أمام المكتب تسببا لها بآلام في الرقبة والكتفين وإجهاد جسدي واضح، الأمر الذي دفعها أحياناً إلى استخدام المسكنات ومراجعة مراكز العلاج الطبيعي حتى تتمكن من مواصلة أداء مهامها الوظيفية.
وأضافت أن هذه الوسائل ساعدتها بصورة مؤقتة على تخفيف الألم والإرهاق والشعور بالتوتر، إلا أنها لم تعالج السبب الأساسي المرتبط بطول ساعات العمل وقلة الحركة والجلوس المستمر، مشيرة إلى أن الإرهاق الجسدي كان يؤثر أحياناً على مستوى التركيز والإنتاجية.
وترى أن الحل يتمثل في الاهتمام ببيئة العمل وتوفير فترات راحة مناسبة وتشجيع الحركة أثناء ساعات الدوام بدلاً من الاعتماد على حلول مؤقتة.
تجربة المكملات
أما الموظف سيف سالم فأوضح، أن طبيعة بعض الأعمال التي تتطلب مستويات عالية من التركيز والدقة قد تدفع بعض الموظفين إلى تجربة مكملات أو وسائل يعتقدون أنها تساعد على الاسترخاء واستعادة الهدوء الذهني.
وأشار إلى أنه سبق أن جرب مكمل الميلاتونين ظناً منه أنه سيساعده على الاسترخاء والتعامل بشكل أفضل مع ضغوط العمل، إلا أن النتيجة كانت مختلفة عما توقع، إذ تسبب له بالشعور بالنعاس والخمول، الأمر الذي انعكس على مستوى نشاطه وتركيزه خلال العمل.
الإرهاق الذهني
وأكد أن المحافظة على التوازن بين العمل والراحة تبقى الحل الأكثر فاعلية، مشيراً إلى أن الحصول على فترات استراحة مناسبة خلال ساعات الدوام يساعد على تخفيف الإرهاق الذهني والجسدي واستعادة التركيز، لافتاً إلى أن الأدوية أو المهدئات قد تؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية تؤثر على الأداء والإنتاجية.
وروت الموظفة فاطمة محمد تجربة مشابهة، مشيرة إلى أنها تناولت في إحدى المرات دواءً للحساسية قبيل اجتماع عمل مهم، معتقدة أنه سيساعدها على الشعور بالهدوء والاسترخاء والتخفيف من التوتر، إلا أنها سرعان ما شعرت بالخمول والنعاس، ما أثر على قدرتها على التركيز ومتابعة الاجتماع بالشكل المطلوب.
وترى فاطمة أن التوتر وضغوط العمل قد يدفعان بعض الموظفين إلى البحث عن بدائل تمنحهم شعوراً بالهدوء الداخلي، سواء كانت مكملات غذائية أو أعشاباً أو أدوية يعتقدون أنها تخفف من التوتر، إلا أن نتائجها قد تكون عكسية وتؤثر سلباً على مستوى الانتباه والتركيز أثناء أداء المهام الوظيفية.
وأكدت أن الحل يكمن في وجود فريق عمل متكامل ومتعاون، بحيث يستطيع أحد أعضاء الفريق دعم زميله عند شعوره بالإرهاق أو الضغط الشديد، بما يضمن استمرار العمل بكفاءة دون التأثير على صحة الموظف أو إنتاجيته.
ممارسة النشاط البدني
وأشار الموظف طاهر الحفيتي، إلى أنه يفضل اللجوء إلى المشروبات العشبية الطبيعية مثل الكركديه عند الشعور بالإجهاد أو التوتر الناتج عن ضغوط العمل، باعتبارها من الخيارات التي تمنحه قدراً من الراحة والاسترخاء دون التأثير المباشر على قدرته على أداء مهامه اليومية.
وأوضح أنه لا يفضل استخدام المكملات أو الأدوية ذات التأثير المهدئ خلال ساعات العمل، لاعتقاده أن طبيعة الوظائف تتطلب يقظة وتركيزاً مستمرين، في حين أن بعض هذه المنتجات قد تؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في الشعور بالخمول أو النعاس أو انخفاض مستوى الانتباه، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الإنتاجية وجودة الأداء.
ويرى طاهر أن أفضل وسيلة للتعامل مع ضغوط العمل تتمثل في تنظيم أوقات العمل والحصول على فترات راحة مناسبة، إلى جانب الاهتمام بالنوم الجيد وممارسة النشاط البدني، مؤكداً أن الحلول الطبيعية والصحية تبقى أكثر فاعلية واستدامة من الاعتماد على المهدئات أو الوسائل المؤقتة التي قد لا تتناسب مع متطلبات بيئة العمل اليومية.
ويجمع المختصون والموظفون على أن ضغوط العمل باتت تحدياً يومياً في بيئات العمل الحديثة، إلا أن مواجهتها لا تكون عبر الحلول السريعة أو المهدئات، بل من خلال تعزيز الوعي، وتحسين بيئة العمل، وتوفير الدعم النفسي، وتبني أساليب صحية تساعد الموظف على الحفاظ على توازنه وقدرته على العطاء دون أن يدفع ثمناً خفياً من تركيزه وصحته وإنتاجيته.