«من يصوغ أفكار أبنائنا؟».. خطبة الجمعة تدعو إلى تحصين عقول الأجيال في العالم الرقمي

لم تعد حماية الأبناء تقتصر على معرفة أين يذهبون ومن يرافقون خارج المنزل، ففي عالم تتسع فيه النوافذ الرقمية، قد يصل التأثير إلى الطفل أو الشاب عبر شاشة صغيرة، ومقطع يشاهده، ورسالة يتلقاها، وحساب يتابعه، أو شخص يتواصل معه عبر منصات الألعاب الإلكترونية.

ومن هذه الزاوية، وضعت خطبة الجمعة اليوم مسؤولية حماية عقول الأبناء في صدارة رسائلها، داعية الآباء والأمهات إلى الاقتراب من أبنائهم ومتابعة ما يشاهدونه ومن يستمعون إليهم ومع من يتواصلون، وتنمية قدرتهم على التفكير والسؤال والتحقق مما يصل إليهم.

وطرحت الخطبة سؤالاً مباشراً يلخص جوهر القضية: «أين عقول أبنائنا؟ ومن يصوغ أفكار فلذات أكبادنا؟»، محذرة من أن يكون الطفل أو الشاب بين أفراد أسرته وفي منزله، بينما تمتد إليه عبر الشاشة أفكار تسعى إلى تغيير نظرته إلى دينه ووطنه.

وعبرت عن هذا الواقع بعبارة لافتة: «فرب غرفة أغلق بابها، وفتحت لإضلال العقول نوافذها».

الرفيق قد يكون حساباً

وتوقفت الخطبة أمام التحول الذي أحدثه العالم الرقمي في مفهوم الصحبة والتأثير، مشيرة إلى أن الرفيق اليوم قد يكون صاحب حساب على وسائل التواصل الاجتماعي أو منصات الألعاب الإلكترونية يؤثر في فكر الأبناء وسلوكهم.

ومن هنا، دعت الأسر إلى عدم الاكتفاء بمعرفة أصدقاء الأبناء في محيطهم المباشر، وإنما الانتباه كذلك إلى دوائر تواصلهم الرقمية والمحتوى الذي يتعرضون له.

لكن هذه المتابعة، وفق الرسالة التي قدمتها الخطبة، لا تقوم على التخويف والتعنيف بقدر ما تبدأ بالحوار والقرب والاحتواء. ودعت الآباء إلى مجالسة أبنائهم، وتفهم مراحل أعمارهم وتحولاتهم، والانتباه إلى تغير أفكارهم واتساع علاقاتهم، والإصغاء إلى أسئلتهم واحتوائهم عند الخطأ حتى لا يدفعهم الخوف إلى الكتمان.

جيل يسأل قبل أن يصدق

وفي مواجهة التدفق الكبير للمعلومات والمحتوى، ركزت الخطبة على بناء عقل قادر على النقد والتحقق، ودعت إلى تعويد الأبناء على طرح ثلاثة أسئلة أمام ما يصل إليهم: «من القائل؟ وهل اقتطع الكلام من سياقه؟ وإلى أين تقودني هذه الفكرة؟».

وتحمل هذه الأسئلة في جوهرها دعوة إلى بناء الوعي، بحيث لا يصبح الأبناء مجرد متلقين للمحتوى، ولا يسلموا عقولهم لمن يستثير عواطفهم، ولا يعيدوا نشر كل ما يصل إليهم دون تمحيص.

فالوقاية، كما تقدمها الخطبة، لا تعني إغلاق أبواب المعرفة أمام الأبناء، وإنما منحهم الأدوات التي تساعدهم على التمييز والسؤال والتحقق.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في مواجهة الأفكار المتطرفة، إذ حذرت الخطبة من أن التطرف قد يبدأ بفكرة مضللة تجد من يزينها ويغذيها حتى تتحكم في متلقيها، لتغرس الكراهية وتدفع إلى العدوان.

وفي مقابل ذلك، شددت على ترسيخ قيم التسامح والتعايش وكرامة الإنسان، وعلى توعية الأجيال بأن الشعارات لا ينبغي أن تكون مدخلاً لخداعهم أو استغلال عواطفهم.

حماية العقل.. حماية للوطن

وتنتقل الخطبة في رسالتها من مسؤولية الأسرة إلى مسؤولية أوسع تجاه المجتمع والوطن، مؤكدة أن الأبناء ينبغي أن يتعلموا أن «الوطن أمانة؛ أمنه أمانة، ومقدراته أمانة، وسمعته أمانة».

وتربط بذلك بين الوعي الفردي والأمن المجتمعي، معتبرة أن تحصين الأبناء بالعلم والوعي يمثل خط دفاع أمام من يحاول استغلالهم أو جرهم إلى خطاب الكراهية والعنف.

وتلخص الخطبة هذه العلاقة بعبارة تحمل رسالتها المركزية: «حماية عقل واحد حماية لأسرة، وحماية الأسرة حماية للوطن».

كما دعت إلى عدم تجاهل التغيرات المقلقة التي قد تظهر على الأبناء أو تعلقهم بخطاب يحرض على الكراهية والعنف، وإلى التعامل معها بالحوار والحكمة والتعاون مع الجهات الرسمية المختصة.

وفي زمن أصبحت فيه الشاشة جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، تعيد خطبة الجمعة تعريف جانب من مسؤولية الأسرة: ألا يكون اهتمام الوالدين منصباً فقط على سلامة أبنائهم الجسدية، بل على ما يدخل إلى عقولهم أيضاً.

فالهدف ليس أن يعيش الأبناء بعيداً عن العالم الرقمي، بل أن يمتلكوا وعياً يجعلهم أكثر قدرة على التعامل مع ما يصل إليهم، فيسألون قبل أن يصدقوا، ويتحققون قبل أن ينشروا، ويميزون بين المعرفة ومحاولات الاستغلال.

وبذلك تصبح حماية العقل مسؤولية تبدأ داخل الأسرة، لكنها تمتد في أثرها إلى المجتمع بأكمله، ليكون الأبناء، كما جاء في ختام الخطبة، «ذخراً لأسرهم، وخيراً لوطنهم، وأمناً لغيرهم».