وتكمن خطورة هذه الأساليب في أنها قد تبدأ بعروض تبدو بريئة ومغرية، قبل أن تتطور تدريجياً إلى تواصل غير آمن يستهدف خصوصية الطفل وسلامته النفسية والاجتماعية.
وتتسع أهمية هذه القضية مع تنامي استخدام الأطفال للتكنولوجيا، إذ أشارت إحصائية حديثة إلى أن 97 % من الأطفال بعمر سبع سنوات فما فوق يستخدمون الأجهزة الرقمية بانتظام، فيما تلقى طفل من كل ثلاثة أطفال تواصلاً من أشخاص غرباء عبر الإنترنت.
وتعكس هذه المؤشرات اتساع نطاق التفاعلات الرقمية التي يخوضها الأطفال، والحاجة إلى تعزيز قدرتهم على التمييز بين التواصل الآمن ومحاولات الاستدراج التي قد تتخفى وراء الهدايا أو المكافآت أو الوعود بالحصول على مزايا داخل الألعاب.
كعنوان المنزل وأرقام هواتف الوالدين، أو طلب صور ومحتوى خاص، وقد تفتح هذه الممارسات الباب أمام الاحتيال وانتهاك الخصوصية والتهديد والابتزاز، فضلاً عن التنمر والتحرش الإلكتروني.
كما أكدت أهمية توفير بيئة أسرية تشجع الأطفال على الإفصاح عن أي تواصل مريب دون خوف أو لوم. وفي حال التعرض لمحاولة استدراج أو تهديد أو ابتزاز، دعت إلى وقف التواصل وعدم الاستجابة لمطالب المعتدي، مع الاحتفاظ بالمحادثات وبيانات الحساب والمعلومات ذات الصلة لتقديمها إلى الجهات المختصة، ويمكن تقديم البلاغ عبر تطبيق وزارة الداخلية أو مراجعة أقرب مركز شرطة، أو التواصل مع مركز الاتصال الموحد على الرقم 901، فيما يُستخدم الرقم 999 في حالات الطوارئ والخطر المباشر.
فجوة رقمية
ونوهت إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في الفجوة بين قدرة الطفل على استخدام التكنولوجيا وقدرته على تقدير مخاطرها؛ فقد يتقن التعامل مع التطبيقات والألعاب، لكنه لا يمتلك بالضرورة الخبرة اللازمة لتمييز محاولات التلاعب أو إدراك عواقب مشاركة معلوماته وصوره الشخصية، وفي المقابل، قد يعرف الوالدان الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة، دون أن تكون لديهما معرفة كافية بطبيعة تفاعلاته الرقمية والأشخاص الذين يتواصل معهم.
وأكدت أن الوقاية تتطلب تعريف أولياء الأمور بالمنصات التي يستخدمها أبناؤهم، والتصنيفات العمرية للمحتوى والألعاب، وطبيعة تفاعلاتهم الرقمية، إلى جانب تعليم الأطفال حماية خصوصيتهم ورفض الطلبات غير المناسبة واستخدام أدوات الحظر والإبلاغ، واللجوء إلى شخص بالغ يثقون به عند مواجهة أي موقف مقلق.
كما أشارت إلى أن مبادرة «أهل الأثر» تضمنت برامج لتعريف المشاركين بآليات تفعيل أدوات التحكم الأبوي والتصنيفات العمرية للألعاب والأفلام، بما يعزز قدرة الأسر على تطبيق إجراءات الحماية في المنزل.
وقد يظهر أيضاً تحفظ مفاجئ تجاه استخدام الجهاز أو خوف من التفاعل مع الآخرين، وهي مؤشرات لا تثبت وحدها وقوع إساءة، لكنها تستدعي التحقق من أسبابها.
وشددت على أهمية التعامل الهادئ مع إفصاح الطفل عن أي إساءة، والاستماع إليه دون لوم أو استجواب متكرر، وطمأنته بأنه ليس مسؤولاً عن تصرفات المعتدي، محذرة من أن سحب الجهاز تلقائياً بوصفه عقوبة قد يدفع الطفل إلى إخفاء ما يتعرض له، ويقلل استعداده لطلب المساعدة مستقبلاً، كما أكدت أهمية تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات المعنية والمنصات الرقمية، وتوفير قنوات واضحة وآمنة للإبلاغ، بما يضمن سرعة الاستجابة ومتابعة الحالات.
وتكتسب هذه الجهود أهمية في ضوء مؤشرات دولية عن حجم المخاطر الرقمية؛ إذ أظهر تقرير لمنظمة الصحة العالمية نُشر عام 2024، واستند إلى مسح شمل مراهقين في 44 دولة ومنطقة خلال عامي 2021 و2022، أن نحو مراهق واحد من كل ستة تعرض للتنمر الإلكتروني.
كما أظهر استطلاع نشرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» عام 2019 وشمل شباباً في 30 دولة، أن أكثر من ثلث المشاركين تعرضوا للتنمر الإلكتروني، فيما أفاد واحد من كل خمسة بالتغيب عن المدرسة بسبب التنمر والعنف، ورغم أن هذه المؤشرات تتناول التنمر الإلكتروني ولا تقيس الاستدراج بالهدايا الوهمية تحديداً، فإنها توضح حجم التحديات التي تستدعي تعزيز الوقاية والتوعية.
بناء شراكة
مشدداً على أهمية إدماج مفاهيم السلامة الرقمية في الممارسات التربوية اليومية، وتعزيز قنوات التواصل بين أولياء الأمور والمؤسسات التعليمية والجهات المختصة، بما يسهم في معالجة المشكلات وتوفير الدعم المناسب للطلبة عند الحاجة.
مشيرة إلى أن التربية الرقمية يجب أن تتجاوز التوعية النظرية إلى تدريب الأطفال على التعرف إلى الرسائل المشبوهة ومحاولات الاستدراج، ومعرفة طرق الإبلاغ عن الإساءة الإلكترونية.
ولفتت إلى أن المدرسة تمثل إحدى أهم البيئات القادرة على اكتشاف المشكلات المرتبطة بالاستخدام غير الآمن للإنترنت، من خلال المتابعة اليومية لسلوك الطلبة ورصد التغيرات التي قد تطرأ على حالتهم النفسية والاجتماعية، موضحة أن الانسحاب الاجتماعي والقلق المستمر والتغير المفاجئ في السلوك وتراجع التحصيل الدراسي قد تشكل مؤشرات تستدعي الاهتمام والتقييم المبكر، دون الجزم بأنها ناتجة عن تعرض الطفل للإساءة الرقمية.
وشددت على أهمية تدريب المعلمين والأخصائيين الاجتماعيين على اكتشاف مؤشرات الخطر والتعامل مع الحالات بما يحفظ خصوصية الطفل وكرامته، مع توفير قنوات آمنة وسرية للإبلاغ والتدخل المبكر والتنسيق مع الجهات المختصة. وأكدت أن الهدف من الحماية الرقمية ليس إبعاد الأطفال عن التكنولوجيا، وإنما تمكينهم من استخدامها بوعي ومسؤولية، وتعزيز قدرتهم على حماية أنفسهم وطلب المساعدة عند الحاجة.
مع مراعاة خصوصية الأطفال وحماية بياناتهم الشخصية، كما شدد على أهمية تدريب الكوادر التربوية والإدارية على مؤشرات الخطر وآليات التدخل المبكر والتنسيق مع الجهات المختصة، وتقييم فاعلية البرامج من خلال نتائجها الفعلية في حماية الأطفال.
ثقة وحوار
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطاً بعدد الساعات التي يقضيها الأبناء أمام الشاشات، وإنما بطبيعة الأشخاص الذين يتواصلون معهم والمعلومات التي يتلقونها والتأثيرات التي تتركها هذه التفاعلات في أفكارهم وسلوكياتهم.
مؤكداً أن الرقابة الأبوية لا ينبغي أن تتحول إلى تفتيش دائم أو مصدر للخلاف داخل المنزل، لأن المبالغة في المنع والعقاب قد تدفع الطفل إلى إخفاء حساباته أو استخدام التطبيقات بعيداً عن علم أسرته، مؤكداً أن حماية الأطفال تتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والجهات المختصة وشركات المنصات الرقمية.
مشيراً إلى أن التعامل الغاضب مع الطفل عند اكتشاف مشكلة رقمية قد يجعله يتردد في الإفصاح عن تفاصيل أكثر خطورة، بدلاً من اعتبار الأسرة الجهة الأولى التي يلجأ إليها طلباً للحماية.
وأضاف أن التغير المفاجئ في سلوك الطفل أو انعزاله عن أسرته أو خوفه من فتح هاتفه يستدعي الحوار والاهتمام دون التسرع في إصدار الأحكام، مشدداً على أهمية الاستماع الهادئ إلى الطفل وطمأنته وتجنب تحميله مسؤولية ما تعرض له، إلى جانب توفير أخصائيين نفسيين واجتماعيين مؤهلين داخل المدارس.
مؤكداً أن الاستدراج قد يتطور تدريجياً إلى تهديد بنشر الصور أو المحادثات، أو المطالبة بمبالغ مالية، أو إجبار الطفل على مواصلة التواصل مع الشخص المسيء، ما يضعه تحت ضغط نفسي شديد ويجعله يخشى طلب المساعدة.
وأشار إلى أن آثار هذه الممارسات قد تمتد إلى استقرار الأسرة بأكملها، مشدداً على ضرورة عدم تجاهل التهديدات أو محاولة معالجة الابتزاز بصورة فردية بعيداً عن الجهات المختصة، داعياً إلى عدم الاستجابة لمطالب المبتز أو إرسال أموال وصور إضافية، والمحافظة على الأدلة الرقمية وإبلاغ الجهات الأمنية، بالتوازي مع توفير الدعم النفسي للطفل، مؤكداً أهمية توعية الأسر والأبناء من خلال مواقف واقعية وسيناريوهات عملية تساعدهم على اكتشاف أساليب الاستغلال والتصرف الآمن عند مواجهة أي تهديد.


