الصحافة لم تمت.. «صنّاع الإبداع» يعيد تعريف الصحفي الإماراتي

حين يسأل بعض طلبة الإعلام عن المكان الذي يمكن أن يعملوا فيه بعد التخرج، تكشف إجاباتهم عن اعتقاد انتشر طويلاً بأن تراجع الصحف الورقية يعني تراجع مهنة الصحافة نفسها.

غير أن الواقع الذي ينطلق منه برنامج «صنّاع الإبداع» مختلف، فالورق لم يعد وسيلة النشر الوحيدة، فيما أصبحت المهارات الصحفية مطلوبة في المؤسسات الإعلامية والجهات الحكومية والشركات الكبرى والمنصات الرقمية، وحتى لدى صنّاع المحتوى الذين يحتاجون إلى المعلومة والنص والتحرير قبل الوقوف أمام الكاميرا.

ومن هذا التحول، أطلقت مؤسسة دبي للإعلام دفعة جديدة من برنامج «صنّاع الإبداع» ضمن مسار «الصحفي الإماراتي»، بهدف إعداد وتأهيل جيل جديد من الكفاءات الوطنية القادرة على العمل داخل غرف الأخبار ومواكبة التحولات الرقمية في صناعة الإعلام.

ويستمر البرنامج ثمانية أسابيع بدءاً من 7 سبتمبر 2026، ويجمع بين التدريب المكثف والتطبيق الميداني داخل غرفتي أخبار صحيفتي «البيان» و«الإمارات اليوم».

الصحافة باقية

أكد حامد بن كرم، رئيس تحرير صحيفة «البيان»، أن الخلط بين الصحافة والورق أدى إلى انتشار تصور غير دقيق عن مستقبل المهنة، موضحاً أن الذي تغير هو وسيلة النشر، فيما لا تزال الصحافة قائمة وأصبح تأثيرها أقوى من السابق.

وقال إن الصحافة شيء والورق شيء آخر، وإن تغير أسلوب حياة الجمهور وانتقاله إلى التطبيقات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي فرض على المؤسسات الإعلامية تطوير وسائلها، من دون أن يلغي جوهر المهنة.

وأضاف أن الصحيفة المطبوعة كانت تتوجه إلى جمهور تحكمه الحدود الجغرافية وحجم التوزيع، فيما يستطيع المحتوى المنشور رقمياً الوصول إلى مئات الملايين من المتابعين في أنحاء العالم العربي وبين قراء اللغة العربية حول العالم.

وأوضح أن هذا الاتساع جعل تأثير الصحافة أكبر، وفرض ضرورة إعادة تعريفها وتقديم مفهومها الصحيح إلى الأجيال الجديدة.

فرص أوسع

وأشار بن كرم إلى أن حاجة سوق العمل إلى الصحفيين لا تقتصر على الصحف والمؤسسات الإخبارية، إذ تحتاج الجهات الحكومية والشركات الكبرى ومحطات الإذاعة والتلفزيون والمنصات المختلفة إلى أشخاص يمتلكون مهارات البحث والكتابة والتحرير والتحقق.

وقال إن عمل صانع المحتوى نفسه يقوم في أساسه على مهارات صحفية، لأنه يحتاج قبل ظهوره أمام الكاميرا إلى معلومة موثوقة ونص مكتوب وقدرة على تحريره وتقديمه.

وأضاف أن فهم الصحافة بهذا المعنى الواسع يساعد الشباب على رؤية الفرص المتاحة أمامهم، بدلاً من ربط مستقبلهم المهني باستمرار الصحيفة الورقية وحدها.

وأكد أن إعادة تعريف المهنة أصبحت ضرورية حتى يعرف الطالب إلى أين يتجه وما المهارات التي يحتاج إليها في سوق إعلامية لم تعد تفصل بين الصحفي وصانع المحتوى والمنتج الرقمي بالوضوح السابق.

معايير ثابتة

وحول ما إذا كانت المهارات المطلوبة من الصحفي الشاب قد تغيرت مع الانتقال إلى الإعلام الرقمي، أوضح بن كرم أن وسائل النشر تغيرت، فيما بقيت الأسس المهنية ثابتة.

وأشار إلى أن السياسة التحريرية التي تأسست عليها صحيفة «البيان» منذ ثمانينيات القرن الماضي لا تزال قائمة، مع تطورها وانفتاحها على مساحات جديدة واستجابتها للظروف والتحولات العامة.

وقال إن المؤسسة كانت تنشر الصحيفة والمجلة والملحق على الورق، وأصبحت اليوم حاضرة عبر الموقع الإلكتروني وتطبيقات الهاتف ومنصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«لينكدإن» و«تليغرام».

وأضاف أن تعدد المنصات منح المؤسسات قدرة أدق على معرفة اهتمامات القارئ وقياس تفاعله، بعدما كان الاتصال عبر الصحيفة الورقية يسير غالباً في اتجاه واحد ولا يوفر المستوى نفسه من التغذية الراجعة.

وأكد أن البيانات التي توفرها المنصات تساعد غرف الأخبار على فهم ذائقة الجمهور ومدى وصول المحتوى وتأثيره، ما جعل العمل الصحفي أكثر قدرة على القياس والتطوير.

كلمة موثوقة

من جانبها، أكدت شيخة أحمد، المدير التنفيذي لقطاع الموارد البشرية في «دبي للإعلام»، أن الصحافة ستظل مهنة مرموقة بسبب حاجة المجتمع إلى خبر موثوق ينقل الواقع بمصداقية.

وقالت إن انتقال المحتوى من الصحافة الورقية إلى الوسائل الرقمية لا يعني اندثار المهنة، وإنما يعزز قدرة الصحفي على نشر خبره والوصول به إلى العالم.

وأضافت أن كلمة الصحفي والكاتب تظل مسموعة وموثقة وتحمل مستوى مرتفعاً من المصداقية، وهو ما يجعل الاستثمار في الكفاءات الصحفية الشابة ضرورة مستمرة.

وأكدت أن «دبي للإعلام» ترعى الصحفيين والكفاءات الوطنية القادرة على نقل الواقع إلى المجتمع والعالم، مشيرة إلى أن الخبر لن يتوقف والصحفي سيظل محوراً أساسياً في إنتاجه والتحقق منه وتقديمه.

تدريب ميداني

يوفر برنامج «صنّاع الإبداع» للمشاركين تجربة عملية داخل غرف الأخبار، والعمل إلى جانب فرق التحرير والتعرف إلى الدورة الكاملة لإنتاج المادة الصحفية.

ويشمل التدريب البحث والتحقق من المعلومات وإعداد الأخبار وإجراء المقابلات، إلى جانب السرد الرقمي وإنتاج المحتوى المخصص لمنصات متعددة، تحت إشراف قيادات وخبرات تحريرية من «البيان» و«الإمارات اليوم».

ويركز البرنامج على تحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة يومية، بما يتيح للمشاركين التعامل مع ضغط الوقت ودقة المعلومة ومتطلبات الجمهور وتنوع أشكال النشر.

وكانت النسخة الأولى من «صنّاع الإبداع» قد ركزت على إعداد المصور الإماراتي، فيما تخصص الدفعة الجديدة لتأهيل الصحفي الإماراتي وتوسيع قاعدة المواهب الوطنية العاملة في صناعة المحتوى.

تجربة مريم

قالت مريم الحمادي، إحدى المشاركات في البرنامج، إن المسار التدريبي مكثف ويستهدف إكساب المشاركين المهارات التي تؤهلهم للعمل الصحفي بدوام كامل.

وأوضحت أن التدريب يمتد شهرين ويقدمه مدربون وخبراء من صحيفتي «البيان» و«الإمارات اليوم»، ويغطي جوانب متعددة من العمل الصحفي بما يتيح للمشاركين اختبار المهنة من داخل بيئتها الحقيقية.

وتعكس مشاركة الحمادي الهدف الأساسي للبرنامج في نقل الشباب من الرغبة في دخول المجال إلى ممارسة العمل فعلياً، والتعرف إلى متطلبات غرفة الأخبار قبل اتخاذ الخطوة المهنية التالية.

فرصة مهنية

يختتم البرنامج بعد ثمانية أسابيع بتقييم مهني شامل لقياس جاهزية المشاركين للعمل داخل بيئة إعلامية احترافية.

ويشكل البرنامج مساراً لاستقطاب الكفاءات الوطنية، إذ يمكن للمشاركين المتميزين الذين يثبتون كفاءتهم خلال فترة التدريب الحصول على فرصة للانضمام إلى كوادر «دبي للإعلام»، وفقاً للأداء والاحتياجات الوظيفية.

وبذلك لا يقدم «صنّاع الإبداع» دورة نظرية عن مهنة يُقال إنها تتراجع، وإنما يضع الشباب داخل غرفتي أخبار لاختبار مهنة أعادت التكنولوجيا تشكيل أدواتها ووسعت جمهورها.

فالصحفي الذي كان يكتب للورق أصبح اليوم يكتب للشاشة والهاتف والفيديو والمنصة الاجتماعية، تغيرت طريقة الوصول إلى القارئ، فيما بقيت الحاجة إلى المعلومة الدقيقة والنص المهني والكلمة الموثوقة كما هي.