ترامب غاضب.. أزمة الصواريخ الاعتراضية تربك الغرب

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واثقاً من تقديراته بشأن وفرة الذخيرة الأمريكية، ونفى مراراً التقارير التي تتحدث عن نقص في الصواريخ الاعتراضية الأمريكية خلال الحروب في السنوات الأخيرة، وخاصة حرب إيران، وأن جزءاً من عبء أوكرانيا على الولايات المتحدة يكمن في حاجة كييف إلى عدد كبير من صواريخ باتريوت.

لكن خلال اجتماع عُقد في كامب ديفيد مطلع الأسبوع، طالب الرئيس ترامب وزير الدفاع بيت هيغسيث بإجابات بشأن النقص الحاد في الذخائر. ووفق تقرير لصحيفة واشنطن بوست، فقد بلغ إحباط ترامب ذروته في كامب ديفيد الأسبوع الماضي، حيث طالب وزير الدفاع بيت هيغسيث بإجابات عن سبب تضليله، على ما يبدو، بشأن النقص الحاد في الذخائر، الذي بات يهدد بتقييد الخيارات العسكرية ضد إيران، وفق ما أفاد شخصان مطلعان على الحوار لصحيفة «واشنطن بوست».

ووقعت المواجهة على هامش اجتماع مجلس الوزراء الذي عقده ترامب في كامب ديفيد يوم الجمعة، حيث أبدى غضبه أمام هيغسيث، قائلاً إنه كان يعتقد أن مشكلة الذخائر «قد حُلّت»، بحسب الشخصين المطلعين على المحادثة، اللذين تحدثا، مثل آخرين، شريطة عدم الكشف عن هويتيهما.

ودافع هيغسيث عن نفسه وألقى باللوم على نائبه ستيفن فاينبرغ، متهماً إياه بعدم ضمان إطلاع ترامب بالكامل على حجم الأزمة.

ووفق الصحيفة، كان النقص، خصوصاً في الصواريخ الموجهة بعيدة المدى وصواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، أحد الأسباب التي دفعت ترامب إلى التراجع خلال الأيام الأخيرة عن شن ضربات إضافية واسعة النطاق على إيران، وفق أحد المصدرين.

لكن البيت الأبيض والبنتاغون نفيا حدوث المواجهة. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت: «هذا خبر كاذب بنسبة 100%. لم يحدث ذلك إطلاقاً. والرئيس ترامب يثق ثقة كاملة بالوزير هيغسيث».

الصواريخ الاعتراضية.. درة التاج

وتحولت الصواريخ الاعتراضية إلى إحدى أكثر الذخائر حساسية في الحروب الدائرة حالياً، بعدما أدى اتساع نطاق المواجهات وتكثيف استخدام الصواريخ الباليستية والمسيّرات إلى استنزاف المخزونات الغربية بوتيرة أسرع من قدرة المصانع على تعويضها.

ورغم الحضور المتصاعد للمسيّرات في الحروب الحديثة، تكشف تجربتا إيران وأوكرانيا أن الصواريخ الاعتراضية ما زالت عنصراً استراتيجياً حاسماً في حماية المدن والقواعد العسكرية والبنية التحتية.

وتتفاقم المشكلة لأن الصاروخ الاعتراضي المستهلك لا يمكن تعويضه سريعاً. فقد تستغرق صناعة بعض صواريخ «باتريوت» وغيرها من الذخائر الحيوية ما يصل إلى عامين، فيما تُطلق الصواريخ والمسيّرات في ميادين القتال بأعداد كبيرة خلال أيام أو أسابيع.

الأرقام التي أوردتها «واشنطن بوست» تعكس ضغطاً فعلياً على الترسانة الأميركية. ففي الشهر الأول من الحرب مع إيران وحده، أطلقت الولايات المتحدة أكثر من 850 صاروخ كروز من طراز «توماهوك»، وأكثر من 1,000 صاروخ اعتراضي من منظومتي «باتريوت» و«ثاد».

كما استخدمت القوات الأميركية أكثر من 1,300 صاروخ باليستي تكتيكي من طراز «أتاكمز» خلال الأسابيع الأولى من القتال، ما أدى، وفق أحد الأشخاص المطلعين، إلى استنزاف المخزون إلى درجة أنه «لم يتبق منه عملياً شيء». وتزداد أهمية هذه النقطة لأن أوكرانيا تطلب النوع نفسه من الصواريخ.

وبين 28 فبراير و7 أبريل، ضربت القوات الأميركية أكثر من 13 ألف هدف داخل إيران، وتصدت لأكثر من 8,500 صاروخ أو مسيّرة إيرانية. ويعني ذلك أن الحرب تستهلك الذخائر في الاتجاهين: صواريخ هجومية لقصف الأهداف، واعتراضات دفاعية لحماية القوات والقواعد والحلفاء من الرد الإيراني.

وكان رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين قد حذر ترامب، حتى قبل بدء الحرب، من أن الولايات المتحدة لا تمتلك المخزونات اللازمة لتحمل صراع طويل. لكن حجم الذخائر المستخدمة وسرعة استهلاكها فاقما المشكلة خلال فترة قصيرة.

وقال براد بومان، المدير في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والمحارب السابق في الجيش الأميركي، إن الحرب الحالية «جعلت أوجه القصور هذه أكثر سوءاً».

وأضاف أن شركات الصناعات الدفاعية «لن تبدأ فعلياً في التصنيع قبل وجود عقد واعتمادات مالية من الكونغرس»، محذراً من أن إعادة بناء المخزونات قد تستغرق سنوات. وقال: «غالباً ما نتحدث عن سنوات بين إنفاق الأموال المطلوبة وتوقيع العقود وتسليم المنتجات. لا يمكنك ببساطة تشغيل مفتاح، فتظهر الذخيرة فجأة في أيدي المقاتلين».

الحرب الإيرانية تصل إلى سماء أوكرانيا

لم تبقَ تداعيات الاستنزاف محصورة في الشرق الأوسط. فقد أدى الطلب الأميركي المتزايد على الصواريخ الاعتراضية إلى تضييق الخيارات المتاحة أمام أوكرانيا، في وقت تكثف روسيا حملتها بالصواريخ الباليستية والفرط صوتية.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن عدد صواريخ الدفاع الجوي التي قدمها الشركاء الغربيون إلى بلاده منذ بداية العام «انخفض إلى الثلث مقارنة بعام 2025».

وأضاف أن حلفاء أوكرانيا «يمتلكون الصواريخ بالفعل»، لكن «القرارات السياسية الضرورية» لإرسالها وتسريع إنتاجها لم تُتخذ بعد.

وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز نقلاً عن مسؤولين ومطلعين، تواجه الدول الغربية معضلة متزايدة: إرسال صواريخها الاعتراضية إلى أوكرانيا، أو الاحتفاظ بها لحماية أراضيها وقواتها في ظل اندلاع حروب على جبهات متعددة. وقد أدى القتال في الشرق الأوسط إلى استنزاف جزء من المخزونات التي كانت كييف تعتمد عليها لحماية مدنها ومنشآتها الحيوية.

وحتى في حال قرر الحلفاء إرسال مزيد من الصواريخ، فإن قدرتهم الإنتاجية لن تكفي لتلبية الاحتياجات الأوكرانية بالكامل. فروسيا تنتج الصواريخ الباليستية بوتيرة أسرع من قدرة الغرب على تصنيع الصواريخ الاعتراضية المصممة لإسقاطها.

وأطلقت روسيا منذ بداية العام 650 صاروخاً باليستياً على أوكرانيا، وفق تحليل لبيانات القوات الجوية الأوكرانية أجرته «نيويورك تايمز». ويتجاوز هذا العدد إجمالي صواريخ «باك-3» الاعتراضية التي سلمتها شركة «لوكهيد مارتن» إلى مختلف دول العالم طوال العام الماضي.

وقال يهور تشيرنييف، نائب رئيس لجنة الدفاع والاستخبارات في البرلمان الأوكراني: «الوضع اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى منذ بداية الحرب».

وأضاف: «مررنا بفترة افتقرنا فيها إلى قدرات مضادة للصواريخ الباليستية، لكن روسيا لم تكن تملك أيضاً مثل هذا العدد الكبير من الصواريخ الباليستية. أما اليوم، فتتعرض كييف لضربات كثيفة مرات عدة أسبوعياً، ونحن عاجزون عن إسقاط صاروخ واحد».

وتوضح موجتان أخيرتان من القصف حجم التراجع في قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها. ففي الهجوم الأول، اعترضت الدفاعات الجوية صاروخين فقط من أصل 35 أطلقتها روسيا. وبعد أيام، فشلت في إسقاط أي من الصواريخ الـ28 التي استهدفت البلاد. وقُتل أكثر من 25 شخصاً في الهجومين.

وتحاول أوكرانيا الحصول على مزيد من صواريخ «باتريوت» عبر برنامج يدعمه حلف شمال الأطلسي، تستخدم فيه الأموال الأوروبية لشراء أسلحة أميركية. وكان زيلينسكي يأمل أن يمول البرنامج مشتريات بقيمة مليار دولار شهرياً، لكن متوسط المساهمات خلال عامه الأول بلغ نحو نصف ذلك.

كما تتفاوض كييف مع الولايات المتحدة للحصول على ترخيص لإنتاج صواريخ «باتريوت»، وتعمل مع شركاء أوروبيين على تطوير منظومة خاصة لاعتراض الصواريخ الباليستية. لكن هذه المشاريع طويلة الأمد لا تقدم حلاً فورياً للدفاع عن المدن الأوكرانية.

وقالت سفيرة أوكرانيا لدى حلف شمال الأطلسي أليونا غيتمانشوك إن مهمة إقناع الحلفاء أصبحت أكثر صعوبة، بعدما تحولت الهجمات الروسية المتكررة في نظر العالم إلى واقع مألوف.