ظاهرة عمرها آلاف السنين.. ماذا نعرف عن النينيو؟

تُعد ظاهرة النينيو (El Niño) واحدة من أبرز الظواهر المناخية التي تؤثر في أنماط الطقس حول العالم، وهي جزء من دورة مناخية أوسع تُعرف باسم التذبذب الجنوبي–النينيو (ENSO)، وترتبط بارتفاع غير معتاد في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، ولا سيما في الأجزاء الوسطى والشرقية منه.

وبحسب الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA)، فإن النينيو تمثل المرحلة الدافئة من دورة ENSO، وتحدث عادة على فترات تتراوح بين عامين وسبعة أعوام، بينما يستمر الحدث في المعتاد لنحو تسعة إلى 12 شهرا.

ويؤدي ارتفاع حرارة مياه المحيط إلى تغيرات في حركة الغلاف الجوي وتوزيع الأمطار والحرارة، ما ينعكس على أنماط الطقس في مناطق مختلفة من العالم.

ظاهرة أقدم من اكتشافها العلمي

ولا يمكن تحديد سنة بعينها باعتبارها "بداية" ظاهرة النينيو، إذ تشير المصادر العلمية إلى أن هذه الظاهرة الطبيعية موجودة منذ آلاف السنين.

وتوضح وكالة ناسا أن الأدلة المناخية القديمة، ومنها ما تم العثور عليه في الشعاب المرجانية وغيرها من المؤشرات المناخية، تشير إلى أن أنماط التغير في حرارة المحيط والرياح المرتبطة بالنينيو كانت تحدث منذ عشرات آلاف السنين.

أما من الناحية التاريخية، فقد لاحظ الصيادون على سواحل بيرو وأجزاء من أمريكا الجنوبية منذ قرون ظهور مياه أكثر دفئا من المعتاد خلال الفترة القريبة من عيد الميلاد، بالتزامن مع تراجع أعداد الأسماك في بعض السنوات، ومن هنا جاءت تسمية El Niño، التي تعني بالإسبانية "الطفل".

متى بدأت معرفتها العلمية؟

بدأت الظاهرة تحظى باهتمام علمي واضح في أواخر القرن التاسع عشر، ووفق وكالة ناسا، ظهرت بعض أقدم الأوصاف العلمية للنينيو خلال المراسلات والنقاشات بين الجمعية الجغرافية في ليما والمؤتمر الجغرافي الدولي في تسعينات القرن التاسع عشر.

وتشير وثائق محفوظة لدى NOAA إلى أن أول ذكر لمصطلح "El Niño" في منشور علمي يعود إلى أوائل تسعينات القرن التاسع عشر، عندما أبلغ ضابط في البحرية البيروفية عن تيار بحري دافئ كان معروفا لدى الصيادين المحليين.

وفي تلك المرحلة، كان العلماء ينظرون إلى النينيو في الأساس باعتبارها ظاهرة محلية مرتبطة بسواحل أمريكا الجنوبية، ومع تطور عمليات الرصد ودراسة العلاقة بين المحيط والغلاف الجوي، اتضح لاحقا أنها ظاهرة ذات نطاق أوسع بكثير، قادرة على التأثير في المناخ والطقس على مستوى مناطق بعيدة من العالم.

كيف تبدأ ظاهرة النينيو؟

تحدث النينيو عندما تضعف الرياح التجارية المعتادة التي تهب من الشرق نحو الغرب عبر المحيط الهادئ الاستوائي، ما يسمح للمياه الدافئة المتراكمة في غرب المحيط بالتحرك باتجاه الوسط والشرق، ونتيجة لذلك ترتفع درجات حرارة سطح البحر في المناطق الاستوائية من المحيط الهادئ، وتتغير حركة الحرارة والرطوبة في الغلاف الجوي.

وتستخدم NOAA معيارا حراريا محددا لرصد الحدث، إذ تشير إلى أن إعلان حالة النينيو يرتبط بارتفاع درجات حرارة سطح البحر في منطقة "نينيو 3.4" في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي بمقدار 0.5 درجة مئوية أو أكثر فوق المعدل المعتاد، مع استمرار هذا الارتفاع لفترة محددة وظهور استجابة جوية متوافقة معه.

تأثيرات تتجاوز المحيط الهادئ

ولا تقتصر آثار النينيو على المنطقة التي تنشأ فيها، إذ يمكن أن تؤدي التغيرات في حرارة المحيط وحركة الغلاف الجوي إلى اضطراب أنماط الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم.

وتوضح الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة، أن الظاهرة يمكن أن ترتبط بزيادة فرص هطول الأمطار والفيضانات في بعض المناطق، مقابل الجفاف وارتفاع مخاطر الحرائق في مناطق أخرى.

تؤكد الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة، أن النينيو والنينيا ظاهرتان طبيعيتان ضمن نظام ENSO، ولا يمكن للبشر منع حدوثهما، فيما يواصل العلماء تطوير أنظمة الرصد والتنبؤ لفهم توقيتهما وشدتهما وآثارهما بصورة أفضل.

وعليه، فإن القول إن "النينيو بدأت في عام معين" لا يعكس الدقة العلمية، فالظاهرة نفسها قديمة وموجودة منذ آلاف السنين، في حين أن التعرف عليها وتوثيقها علميا بدأ بصورة واضحة في أواخر القرن التاسع عشر، وبخاصة خلال تسعينات ذلك القرن، ومنذ ذلك الوقت تطور فهم العلماء لها من ظاهرة ساحلية مرتبطة بأمريكا الجنوبية إلى أحد أهم الأنماط المناخية التي يمكن أن تؤثر في الطقس على نطاق عالمي.