أفكار جديدة لترامب أمام بوتين: صفقات تجارية قبل وقف الحرب

تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب توقيع صفقات تجارية مع روسيا قبل توقف القتال في أوكرانيا، في تحوّل لافت عن تعهّد ترامب العام الماضي بأن الأعمال مع موسكو لن تبدأ إلا بعد تسوية الحرب، بحسب ما كشفته صحيفة «نيويورك تايمز» . ويأتي هذا التوجه في وقت أقرّ فيه الكونغرس مشروع قانون عقوبات واسعاً يستهدف قطاع الطاقة الروسي، ما يضع واشنطن أمام مسارين متعاكسين في التعامل مع الكرملين؛ ضغط تشريعي يريد إيلام موسكو، وإغراءات يقدّمها البيت الأبيض أملاً في دفع الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحل.

ونقلت الصحيفة عن شخصين قريبين من المحادثات أن البيت الأبيض يبحث إمكان إبرام هذه الصفقات مبكراً، فيما أوضح مسؤول أميركي، تحدّث شريطة عدم كشف هويته، أن الغاية منها إقناع موسكو بجدية الولايات المتحدة في إعادة بناء العلاقة معها. وأضاف المسؤول أن الإدارة تسعى إلى خلق حوافز لدى النخبة الروسية كي تضغط باتجاه السلام، وأن تنفيذ بعض الصفقات قبل نهاية الحرب قد يطمئن الصقور المعادين لأميركا في محيط بوتين إلى أن ترامب يريد فعلاً علاقة جديدة.

وتروي الصحيفة تفاصيل لقاء المبعوثَين الأميركيَين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر ببوتين في الكرملين مطلع الشهر الجاري، حيث بدا الرئيس الروسي واثقاً، مؤكداً أن قواته ستسيطر خلال أشهر على كامل إقليم دونباس، وأن روسيا تستعد لضرب شبكة الكهرباء الأوكرانية تمهيداً لشتاء قاسٍ. غير أن كوشنر ردّ عليه، وفق شخص مطلع على المحادثات ومسؤول أميركي، بأن بوتين قال الكلام نفسه قبل عام، متسائلاً عن احتمال أن يعود الوفد بعد عام آخر ليسمع الوعد ذاته، ومقترحاً ألا يُهدر عام جديد. وترى الصحيفة أن هذا التبادل يلخّص المأزق الذي تواجهه جهود ترامب لإنهاء الحرب منذ أكثر من 18 شهراً.

ترغيب وترهيب

وعلى الجهة الأخرى، مرّر مجلس النواب مشروع العقوبات بأغلبية من الحزبين بلغت 262 صوتاً مقابل 159، ويتيح القانون للرئيس فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على الدول الأكثر شراءً للنفط والغاز الروسيين، إلى جانب عقوبات على مسؤولين ورجال أعمال ومؤسسات مالية روسية. وقال النائب الجمهوري مايكل ماكول، أحد أبرز الداعمين للمشروع، إن القانون سيشلّ آلة الحرب الروسية ويجلب بوتين أخيراً إلى طاولة التفاوض. وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب ألمح إلى عزمه التوقيع عليه، وأن المشروع كان يتبنّاه السيناتور ليندسي غراهام حتى وفاته في يوليو، فيما قالت شقيقته السيناتورة دارلين غراهام، التي خلفته في مقعده، إنه سيعزز أوراق الرئيس التفاوضية.

ورغم ذلك، تلاحظ الصحيفة أن الإدارة، وإن كانت تعتمد مقاربة تجمع الترغيب والترهيب، تميل بوضوح إلى الترغيب. ونقلت عن بالاش ياربيك، الدبلوماسي الأوروبي السابق في كييف والباحث حالياً في شركة «آر. بوليتيك» للتحليل السياسي، أن المؤشرات توحي بأن واشنطن تدرس تنازلات أكبر لروسيا، وأنها باتت تلمّح إلى إمكان المضي في بعض الصفقات إذا أظهرت موسكو أولاً ضبطاً ملموساً للنفس، بعدما كانت ترفض ذلك قبل أي وقف لإطلاق النار.

ولم يتضح بعد ما الصفقات المطروحة تحديداً، غير أن يوري أوشاكوف، مستشار الكرملين للسياسة الخارجية، قال عقب لقاء 5 سبتمبر إن القضايا الاقتصادية ومشاريع روسية–أميركية كبرى محتملة نوقشت بشيء من التفصيل. وتذكّر الصحيفة بأن موسكو تروّج لفرص الأعمال أمام البيت الأبيض منذ عودة ترامب إلى الحكم، مقترحة صفقات في المعادن النادرة والألمنيوم، ومشاريع مشتركة في القطب الشمالي، بل وإشراك شركات أميركية في بيع الغاز الروسي إلى أوروبا.

شكوك عميقة

وتربط «نيويورك تايمز» هذا التحوّل بتعثّر المفاوضات حول انسحاب أوكراني محتمل من بقية دونباس، وهو الشرط الذي يتمسّك به بوتين وترفضه كييف. وكان كوشنر قد أقرّ بهذا الانسداد في مداخلة عبر الفيديو أمام «اجتماع يالطا الأوروبي السنوي» في كييف، قائلاً إن بقية الاتفاق جاهزة إذا قبلت أوكرانيا الانسحاب إلى الخط الذي حدّده بوتين، وإن مهمة واشنطن بوصفها وسيطاً هي ابتكار حل يتيح للطرفين المضي قدماً. وحين أضاف أن الرئيس الروسي ملتزم بالمحادثات هو الآخر، انطلقت ضحكات من بعض الحضور، في إشارة إلى الشكوك العميقة لدى حلفاء أوكرانيا في تصوير الإدارة المتوازن لمسار التفاوض. وبعد يومين، أصابت مسيّرة روسية نفاثة قطاراً عند معبر حدودي كان يعبره مسؤولون بارزون، بينهم المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية ديفيد بترايوس.

وتشير الصحيفة إلى أن المفاوضات توقفت إلى حد بعيد في وقت سابق من هذا العام بعدما انصرف ويتكوف وكوشنر إلى ملف الحرب مع إيران، وأن جولتهما الأخيرة بين موسكو وكييف بدت محاولة لإعادة إطلاقها. ونقلت عن مسؤولين أوكرانيين أن المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا قد تُستأنف في أكتوبر، على أن يُطرح فيها احتمال وقف جزئي لإطلاق النار يشمل وقف الهجمات على الملاحة في البحر الأسود أو على منشآت الطاقة، في حرب تجاوز عمرها أربع سنوات ونصف السنة وحصدت مئات الآلاف من الأرواح.