«لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، شعار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حملته الانتخابية، والذي يطلق عليه اختصاراً «MAGA»، قد يبدو للوهلة الأولى هدفاً قومياً نبيلاً ويجعل الولايات المتحدة الأمريكية أكثر انفتاحاً وتوسعاً في العلاقات الدولية، إلا أنه وفقاً لتحليل جديد، سرّعت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وشعاراته وتصريحاته في حدوث تحول عميق في النظام العالمي، ضد الهدف الأساسي لشعار الرئيس الأمريكي.
ويكشف تقرير صادر عن مؤسسة "فوكال داتا" (Focaldata)، التي تحلل سجلات التصويت في الأمم المتحدة، كيف بدأت أجندة واشنطن المعروفة بـ "أمريكا أولاً" في إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لصالح الصين.
في عام 2026، أصبح العالم الآن أقرب دبلوماسياً إلى بكين مما كان عليه في الذاكرة الحديثة، مع حدوث تحولات كبيرة في التحالفات خلال بداية الولاية الرئاسية الثانية لترامب.
استخدم تحليل "فوكال داتا" تصويتات الجمعية العامة للأمم المتحدة كمؤشر للتحالف الجيوسياسي، حيث تميل الدول التي تصوت باستمرار بنفس الطريقة على القرارات الخلافية إلى امتلاك مصالح مشتركة.
ومن خلال قياس مدى ارتباط سجل تصويت كل دولة بسجل الولايات المتحدة أو الصين، تمكن الباحثون من رسم خريطة تظهر كيف ابتعد مركز الثقل الجيوسياسي عن واشنطن واقترب من بكين أكثر من أي وقت مضى في هذا القرن.
وأظهر الأمر تهاوي إجمالي في عدد الدول المتحالفة بقوة مع الولايات المتحدة في عهد ترامب، على النقيض من الصين التي حافظت على حلفائها، وتوسعت في التحالفات، وكأن الشعار قد تحول من «MAGA» التي تشير إلى «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» إلى «MCGA» اختصاراً إلى «لنجعل الصين عظيمة مرة أخرى»، بزيادة النفوذ الصيني وتحول خريطة التحالفات من الغرب الأمريكي إلى الشرق الصيني.
مقارنة
ووفقا لصحيفة «الغارديان» فعند مقارنة جميع سنوات ترامب في البيت الأبيض، بما في ذلك ولايته الأولى، بسنوات أسلافه المباشرين - باراك أوباما وجو بايدن - فعدد الدول المتحالفة بقوة مع الولايات المتحدة قد انهار من 46 دولة إلى سبع دول فقط. في المقابل، بقي عدد الدول التي تدور في فلك الصين ثابتاً بشكل عام مائلاً للتزايد.
ورغم أن معظم الدول التي كانت راسخة في المعسكر الأمريكي لا تزال تصوت مع واشنطن، إلا أنها فعلت ذلك مؤخراً بانتظام أقل بكثير، يوحي بفتور في العلاقة.
وكانت بعض أكبر التحركات بين حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا، الذين يجدون أنفسهم الآن يصوتون مع واشنطن بشكل أقل تواتراً. فقد انحرفت كندا وكوريا الجنوبية واليابان وألمانيا والمملكة المتحدة بشكل كبير عن الولايات المتحدة من حيث أنماط التصويت في الأمم المتحدة عام 2025.
ووفقاً للدراسة يمنح البحث سجل تصويت كل دولة درجة تتراوح من +1 (ما يعني التصويت دائماً مع الصين في الأمم المتحدة)، إلى -1 (ما يعني التصويت دائماً مع الولايات المتحدة).
وكانت أوكرانيا نقطة اشتعال رئيسية؛ ففي فبراير 2025، انحازت الولايات المتحدة إلى روسيا وبيلاروسيا وكوريا الشمالية للتصويت ضد قرار يدين روسيا بسبب حرب أوكرانيا.
وشكلت حرب إسرائيل في غزة نقطة توتر أخرى، ففي يونيو 2025، صوتت الولايات المتحدة ضد قرار يدعو إلى حماية المدنيين والتمسك بالالتزامات القانونية والإنسانية في غزة، وانحازت الولايات المتحدة إلى إسرائيل ضد القرار، بينما دعمت الغالبية العظمى من الدول الغربية تمرير القرار، كما صوتت الصين لصالحه.
واستخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد قرار لمجلس الأمن بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، مخالفة بذلك روسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة.
كما كانت هناك قرارات بشأن قضايا مثل البيئة والصحة والهجرة، دعمتها الصين ومعظم الدول الغربية، لكن الولايات المتحدة عارضتها.
تراجع الموثوقية
ونتيجة لذلك، أصبحت دول الناتو والدول الأوروبية، التي كانت ذات يوم العمود الفقري للنفوذ العالمي الأمريكي، تصوت الآن بشكل أقل موثوقية مع الولايات المتحدة. ويرجع هذا التحول إلى حد كبير لتبني الولايات المتحدة مواقف مثيرة للجدل بشكل متزايد على المسرح العالمي مما يعزلها عن حلفائها القدامى.
في غضون ذلك، واصلت الصين الحفاظ على علاقات وثيقة مع حلفائها، وبدأت في تنمية تحالفات جديدة، وقد شهد هذا العام زيارات خارجية لرئيسي الوزراء الكندي والبريطاني لأول مرة منذ ثماني سنوات.
على المستوى الإقليمي، تميل آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية إلى التوافق أكثر مع الصين - رغم أن الأخيرة (أمريكا الجنوبية) بدأت تتحرك أكثر نحو الولايات المتحدة خلال ولاية ترامب الأولى.
لم يحدث هذا التحول بسبب تزايد المشاعر المؤيدة للصين في أوروبا بقدر ما هو ناتج عن تراجع وتيرة تصويت الولايات المتحدة وأوروبا معاً.
أدنى مستويات التوافق
ويشير التقرير إلى أن توافق المملكة المتحدة مع الولايات المتحدة في تصويتات الأمم المتحدة بلغ أدنى مستوياته منذ بدء التسجيل، مع انخفاض حاد في العام الماضي. وتزامن ذلك مع الآمال بأن تتمكن المملكة المتحدة من إذابة الجليد في العلاقات بين لندن وبكين.
وسلط التقرير الضوء على أن الأرجنتين وإسرائيل فقط كانتا متحالفتين مع البيت الأبيض في عهد ترامب عام 2025.
في الوقت نفسه، ظلت كتلة التصويت الصينية المكونة من 73 دولة متماسكة بشكل عام. وأصبحت القوة الاقتصادية المجمعة للدول المتحالفة مع الصين أعلى من تلك المتحالفة مع الولايات المتحدة في عهد ترامب - على عكس سنوات أوباما وبايدن، حين كانت القوة الاقتصادية المجمعة لحلفاء الولايات المتحدة الغربيين متفوقة.
وقال باتريك فلين، صحفي البيانات وجامع التقرير: "لم يكشف تقريرنا عن سرعة تحول النظام العالمي فحسب، بل كشف أيضاً عن هيكل النفوذ بين القطبين الرئيسيين: الولايات المتحدة والصين".
وأضاف: "نحن نشبه شبكة الصين بخلية النحل، فهي منتشرة ومن غير المرجح أن تنهار بسبب تصدعات فردية. في المقابل، يشبه النفوذ الأمريكي برج لعبة 'جينجا' (Jenga)، حيث يعتمد بشكل كبير على كتلة صلبة من الدول الأوروبية التي تبتعد بسرعة عن حلفائها عبر الأطلسي".
ومن المرجح أن يستمر هذا التحول، فعند تصنيف الدول حسب النمو الاقتصادي المتوقع، نجد أن الاقتصادات الأسرع نمواً تتجمع بالقرب من بكين أكثر من واشنطن. وغالباً ما تقع هذه الدول في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
واختتم فلين قائلاً: "بترجيح محورنا وفقاً لمستويات الناتج المحلي الإجمالي التاريخية، نرى أن مركز الثقل يتحرك ببطء نحو الصين على مدار الثلاثين عاماً الماضية. ومع نفوذ الصين الكبير بين الاقتصادات الأسرع نمواً، قد ينتقل مركز الثقل العالمي فعلياً إلى الأراضي الصينية لأول مرة في أواخر ثلاثينيات القرن الحالي".
