"اقتراح إنفانتينو".. هل من علاقة لترامب بأزمة الفيفا؟

إنفانتينو وترامب في المكتب البيضاوي
إنفانتينو وترامب في المكتب البيضاوي
جوشوا كوشنر
جوشوا كوشنر
جاريد كوشنر
جاريد كوشنر
بالوغون
بالوغون

مساء الجمعة الماضية، أعلن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) جياني إنفانتينو سحبَ خطته لبيع حصةٍ في كأس العالم، في قرارٍ بدا في ظاهره تراجعاً تكتيكياً أمام عاصفة اعتراضٍ عالمية عاتية. غير أنّ الأزمة، في عمقها، تكشف ما يتجاوز صفقةً عابرة؛ إذ تسلط الضوء على شبكة من المصالح المعقدة التي نسجتها الفيفا على مدى عامٍ ونصف العام مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حتى بلغت ذروتها.. يُعيد هذا التقرير تركيب الخيوط بالوقائع الموثّقة، فاصلاً بعناية بين ما هو مُثبَتٌ وما هو مُتصوَّر.

خطٌّ زمني

لم تُولد علاقةُ إنفانتينو بترامب مع البطولة التي كانت الولايات المتحدة أحد أضلاع مثلث الاستضافة بجانب كندا والمكسيك؛ فجذورها تعود إلى ولاية ترامب الأولى واستقباله إنفانتينو في البيت الأبيض عام 2019، لكنها تكثّفت على نحوٍ لافتٍ منذ عودته إلى السلطة مطلع 2025، ففي مارس من ذلك العام، كشف إنفانتينو عن كأس «مونديال الأندية» في المكتب البيضاوي إلى جانب الرئيس، وفي الشهر ذاته وقّع ترامب أمراً تنفيذياً بإنشاء «فريق عمل البيت الأبيض لكأس العالم 2026»، ونصّب نفسه رئيساً له ونائبه جي دي فانس نائباً للرئيس، تحت شعار «تنسيق الدعم الاتحادي للبطولة»، وفق ما أوردته شبكة "إن بي سي".

بحلول يوليو 2025، افتتح الفيفا مكتباً داخل «برج ترامب» في نيويورك، أعلن عنه إنفانتينو من مقرّ «مؤسسة ترامب» بحضور إريك ترامب والنجم رونالدو، شاكراً «الدعم الكبير» من البيت الأبيض، وواصفاً الرئيس بأنه «مشجّعٌ كبير لكرة القدم». وفي أغسطس الذي يليه، تصدّر كأس العالم مشهد المكتب البيضاوي في إعلانٍ للبطولة جمع ترامب ونائبه ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم بإنفانتينو. ومع قدوم ديسمبر، استحدث الفيفا «جائزة الفيفا للسلام»، ومنحها في نسختها الأولى لترامب خلال قرعة كأس العالم في مركز «كنيدي» بواشنطن.

لم يكن هذا الحضور بلا كلفةٍ رمزية؛ فقد كشف الإفصاح المالي لترامب لعام 2025 أنه تلقّى من إنفانتينو تذاكر بقيمةٍ ناهزت 15 ألف دولار، بحسب "سي إن بي سي"، فيما رافق رئيسُ الفيفا الرئيسَ الأميركي في زيارتين رسميتين، في مؤشّرٍ على أنّ العلاقة تخطّت لوجستيات البطولة إلى حضورٍ سياسيٍّ منتظم.

ولا يمكن فصلُ هذا التودّد السياسي عن «البراغماتية المالية» التي تحكم إدارة إنفانتينو؛ فالفيفا لم تكن تبحث عن تقاربٍ شخصيّ بقدر ما كانت تطارد السيولة الضخمة اللازمة لتمويل توسّع بطولاتها، وعلى رأسها مونديال الأندية وكأس العالم بصيغته الجديدة (48 منتخباً). لقد أدرك إنفانتينو أنّ خططه التوسّعية تقتضي شراكةً استراتيجية تجمع بين الثقل السياسي والاقتصادي للبيت الأبيض والصناديق السيادية الكبرى في الشرق الأوسط مثلاً، فتحوّل من رئيس منظمةٍ رياضية إلى «تكنوقراط ماليّ» يجوب العواصم لتأمين الرعايات المليارية، وضمان الاستقرار السياسي والتنفيذي للبطولات الكبرى بأيّ ثمن.

شكوى أخلاقية

سرعان ما تحوّلت «جائزة السلام» التي منحتها الفيفا لترامب إلى بؤرة تدقيقٍ دولي، فقد أفادت "سي إن بي سي"، نقلاً عن «بوليتيكو»، بأنّ خمسين عضواً في البرلمان الأوروبي وجّهوا رسالةً إلى الفيفا يحثّونه على معالجة شكوى أخلاقية رفعتها منظمة «فيرسكوير» بشأن منح الجائزة لترامب.

وفي واشنطن، طالب النائب الديمقراطي جيمي راسكين باستدعاء إنفانتينو لسؤاله عن «طبيعة علاقته بترامب»، واصفاً بعض جوانبها بلغةٍ شديدة، فيما ردّ البيت الأبيض بالسخرية من الرسالة عبر متحدّثٍ باسمه، مذكّراً بالعوائد الاقتصادية الضخمة للبطولة، وهكذا انتقل النقاش من ضفّة الرياضة إلى منطقة تضارب المصالح.

بلغت المخاوف مستوى جديداً حين تدخّل ترامب مباشرةً في شأنٍ رياضيٍّ محض؛ حين تواصل الرئيس ترامب مع إنفانتينو لرفع عقوبة الإيقاف التي أُنزلت بمهاجم منتخب الولايات المتحدة فولارين بالوغون، فاستُجيب للطلب، وأثار ذلك شكوى رسمية من الاتحاد النرويجي المعروف بانتقاده لإدارة إنفانتينو.

صفقة FFE

بعد أيامٍ قلائل من نهائي المونديال الذي توّج إسبانيا بطلةً على حساب الأرجنتين في التاسع عشر من يوليو الماضي، أعلن إنفانتينو خطة «FIFA Forward Enterprise (FFE)»: إنشاء وحدةٍ تجارية (شركة) بقيمة عشرين مليار دولار تُدير فعاليات الفيفا، ومنها كأس العالم، ثم بيع نحو 20% منها لمستثمرين من القطاع الخاص لجمع ما يصل إلى 4.2 مليارات. وكانت تحقيقات «فايننشال تايمز» و«التايمز» أوّل من كشف تفاصيل الخطة.

بعيداً عن الغضب الرياضي، اصطدمت خطة إنفانتينو بلغمٍ قانونيٍّ وضريبيّ يهدّد البنية الأساسية للمنظمة؛ ذلك أنّ بيع خُمس حقوق البطولات لصناديق استثمارية تجارية كان كفيلاً بأن يُسقط عن الفيفا، في مقرّها بزيورخ، صفة «المؤسسة غير الربحية» التي تمنحها إعفاءاتٍ ضريبية استثنائية بموجب القانون السويسري. وتحويلُ الاتحاد إلى كيانٍ ربحيّ كان سيعرّض استثماراته واحتياطياته المليارية لضرائب باهظة في أوروبا، فينقلب المشروع من «فرصة نموٍّ مالي» إلى مخاطرةٍ قانونية قد تفكّك النموذج المالي التاريخي للمجلس الدولي.

أمّا الردّ فكان أشبه بزلزال؛ حيث صوّت اتحاد يويفا (55 اتحاداً) على مقاطعة بطولات الفيفا، رافعاً شعار «كأس العالم ليس للبيع»، وواصفاً صياغة المقترح «في السرّ» بـ«غير المسؤولةٍ وغير المبررة». وعارض اتحاد كونكاكاف والاتحاد الآسيوي الخطة من دون بلوغ حدّ المقاطعة.

غير أنّ هذا الصراع كشف الهندسة السياسية الدقيقة التي يتّكئ عليها إنفانتينو لحماية عرشه قبيل انتخابات 2027؛ فبينما اندلعت الثورة في أروقة «يويفا» الأوروبي، التزمت اتحاداتٌ كالاتحاد الأفريقي (الكاف) واتحاد أمريكا الجنوبية (كونميبول) موقفاً أكثر حذراً ومواربة. فإنفانتينو يعي جيداً معادلة القوة داخل الفيفا، حيث «يتساوى صوتُ جيبوتي وصوتُ ألمانيا»؛ ولذلك يغدو توظيفُ عوائد الصفقات الاستثمارية والتوسّع في البطولات ورقةً رابحة لاستمالة الاتحادات النامية في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، بما يُحدث توازناً يكسر هيمنة «القارة العجوز»، ويبني للرئيس الحالي جداراً انتخابياً صلباً.

وصل الغليان إلى داخل المنظمة، فاستقال المستشار كارلوس كورديرو واصفاً الصفقة بأنها «صفقةٌ سيئة لكرة القدم»، فيما أكّد مدير العمليات كيفن لامور أنّ الموظفين «خُدِعوا»، وأنّ المشروع «مشروع شخصٍ واحد». ومع مساء الجمعة، حسم إنفانتينو الجدل بسحب اقتراحه.

حول الحقيقة

بحسب «بلومبرغ»، وُلدت فكرة FIFA Forward Enterprise قبل عامٍ في نقاشاتٍ خاصة بين إنفانتينو وجوشوا كوشنر، على أن تقود ذراعُه الاستثمارية «ثرايف إتيرنال» مجموعة المستثمرين، بمعاونةٍ من «جي بي مورغان» في هيكلة الصفقة. وكوشنر (مواليد 1985) رجل أعمالٍ ومستثمر، مؤسّس «ثرايف كابيتال» الذي يعد أحد أكبر صناديق التقنية في العالم بأصولٍ تناهز 60 مليار دولار، وهي المؤسسة التي قادت جولات تمويل «أوبن إيه آي» و«سترايب» و«إنستغرام»، وكما أن جوشوا شريك في «أوسكار هيلث». وبمجرد أن تداول الإعلام العالمي هذا الاسم، حتى قفز إلى الواجهة صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، الشقيق الأكبر لجوشوا كوشنر.

ومن هذه الخلفية، وصف ديمقراطيو اللجنة القضائية في مجلس النواب الأمريكي الصفقة بأنها دخولٌ للفيفا «في شراكةٍ مع عائلة ترامب»، رابطين إياها بجائزة السلام ومكتب برج ترامب، وناعتين إياها بـ«الفساد الأوليغارشي».

في المقابل، ثمّة معطياتٌ تُضعف فرضية التورّط المباشر لترامب؛ فقد نفى مصدرٌ مقرّبٌ من «ثرايف» لشبكة "سي بي إس" أن يكون الرئيس الأمريكي على صلةٍ بمشروع FIFA Forward Enterprise بأيّ صفة، مؤكّداً أنّ جوشوا لا يشغل أدواراً سياسية ولا صلة له بالإدارة. وأفادت مجلة «تايم» والسجلّات العامة بأنه لا يملك روابط سياسية مع إدارة ترامب، وأنّ أحدث تبرّعاته كان لمؤسسة أوباما، وأنه موصوفٌ منذ سنوات بأنه ديمقراطيّ التوجّه. كما أنّ بنية الصفقة نفسها كانت تحدّ من النفوذ؛ فالمستثمرون لن يظفروا بمقعدٍ في مجلس الفيفا، ولا بحقّ تصويت، ولا بأرباحٍ موزّعة، بحسب «الغارديان».

تضارب مصالح

الوقائع التي تقدم ذكرها تنسج نمطاً يصعب معه احتمال المصادفة، فحين يجتمع في مسارٍ واحد فرقةُ عملٍ رئاسية يقودها الرئيس، ومكتبٌ للفيفا في برجٍ يحمل اسم عائلة الرئيس، وجائزةٌ استُحدثت لتُمنَح للرئيس، وتذاكرُ وتدخّلٌ للرئيس في قرارٍ تحكيمي، ثم صفقةٌ يقودها شقيق صهره، ينتقل العبء من إثبات وجود المصلحة إلى تبديد شبهتها.

على أنّ التحليل الرصين يفرض تمييزين دقيقين؛ أوّلهما بين المصلحة المؤسسية والمصلحة الشخصية؛ إذ إنّ جانباً كبيراً من «القرب» يخصّ الفيفا بوصفها منظمةً تسعى لتأمين دعم الدولة المضيفة (أمنٌ ولوجستيات وعوائد قُدّرت بعشرات المليارات)، وهو سلوكٌ تمارسه الاتحادات مع كل مضيف، ويبدأ الإشكال حين يستحيل هذا الدعم منافعَ رمزية ومادية متبادلة تتجاوز العُرف. وثانيهما بين القرابة والتواطؤ؛ فصلة كوشنر بترامب حقيقيةٌ، لكنها وحدها لا تُثبت أنّ الرئيس طرفٌ في الصفقة، وسجلُّ الرجل المستقلّ سياسياً وضخامةُ صندوقه يمنحان روايته سنداً. وفي المسافة بين «الاسم يوحي» و«الرجل متورّط» تسقط كثيرٌ من التغطيات في فخّ الاستنتاج المتسرّع.