أقدم من أمريكا وكندا.. قصة بحيرة أونتاريو


لم تكن بحيرة أونتاريو مجرد مسطح مائي ظهر فجأة في قلب الخلاف الأمريكي-الكندي، بل واحدة من البحيرات العظمى الخمس في أمريكا الشمالية، وهي بحيرة مياه عذبة تشكل جزءاً أساسياً من منظومة المياه والنقل والاقتصاد والحياة على جانبي الحدود.

وتعود قصة البحيرة إلى آلاف السنين قبل ظهور الولايات المتحدة وكندا كدولتين، ما يجعل تاريخها الجيولوجي والبشري أقدم بكثير من الحدود السياسية التي تفصل بين البلدين اليوم.

بحيرة عمرها آلاف السنين

تقع بحيرة أونتاريو بين ولاية نيويورك الأمريكية ومقاطعة أونتاريو الكندية، وهي أصغر البحيرات العظمى الخمس من حيث المساحة، لكنها جزء من منظومة ضخمة للمياه العذبة تُعد من أكبر النظم البيئية للمياه العذبة السطحية في العالم.

وتشكّل الشكل الحديث للبحيرة خلال المراحل الأخيرة من العصر الجليدي، مع انحسار الغطاء الجليدي القاري الذي نحت أحواض البحيرات العظمى. وتشير المصادر الجيولوجية إلى أن بحيرة أونتاريو بصورتها الحالية تشكلت خلال آلاف السنين التي أعقبت انحسار الجليد، فيما يعود تاريخ وجود البشر في منطقة البحيرات العظمى إلى آلاف السنين قبل ذلك.

وترتبط البحيرة بمنظومة مائية واسعة تمتد عبر البحيرات العظمى وصولاً إلى نهر سانت لورانس والمحيط الأطلسي، وهو ما جعل موقعها جزءاً مهماً من شبكة المياه والنقل التي ربطت مناطق واسعة من أميركا الشمالية.

من أين جاء اسم «أونتاريو»؟

ولا تقتصر قصة البحيرة على عمرها الجيولوجي، فحتى اسم «أونتاريو» يحمل إرثاً يعود إلى الشعوب الأصلية التي عاشت حول البحيرات العظمى قبل وصول الأوروبيين بقرون.

ووفقاً للمصادر الحكومية الكندية، يعود اسم أونتاريو «Ontario» إلى كلمة من لغة "إيروكوية" وهي كاناداريو "kanadario"، ومعناها «الماء المتلألئ» أو «الماء اللامع». ويكشف ذلك أن الاسم الذي يُستخدم اليوم على الخرائط الأمريكية والكندية له جذور تسبق الدولتين الحديثتين بقرون.

واللافت أن «أونتاريو» لم يكن في البداية اسماً لمقاطعة بالمعنى السياسي الحديث. فأقدم تسجيل معروف للاسم يعود إلى 1641، عندما استُخدم في السجلات الأوروبية لوصف كتلة من الأرض على الشاطئ الشمالي للجزء الشرقي من البحيرات العظمى. كما ارتبط الاسم بالبحيرة التي تُعرف اليوم باسم بحيرة أونتاريو.

وبعد ذلك بقرن ونصف تقريباً، تغير الوضع السياسي للمنطقة؛ ففي عام 1791 أصبحت الأراضي الواقعة إلى أعلى نهر سانت لورانس تُعرف باسم «كندا العليا» (Upper Canada). وفي عام 1867، ومع قيام الكونفدرالية الكندية، أصبح «أونتاريو» الاسم الرسمي لإحدى المقاطعات المؤسسة للاتحاد الكندي.

لماذا تعد البحيرة مهمة؟

تكتسب بحيرة أونتاريو أهمية كبيرة باعتبارها مصدراً للمياه العذبة، فيما تعتمد عشرات الملايين من السكان في حوض البحيرات العظمى على هذه المنظومة المائية للشرب، إلى جانب استخدامها في الصناعة والزراعة والنقل. وتشير بيانات لجنة البحيرات العظمى إلى أن المنظومة توفر مياه الشرب لأكثر من 40 مليون شخص في الولايات المتحدة وكندا.

كما تمثل البحيرة جزءاً من منظومة بيئية واقتصادية ضخمة تشمل الصيد والنقل والسياحة والمجتمعات الساحلية، فضلاً عن ارتباطها بشبكة مائية وتجارية تمتد عبر نهر سانت لورانس وصولاً إلى المحيط الأطلسي.

ولا تقتصر أهميتها على الاقتصاد والمياه؛ فالبحيرة مرتبطة أيضاً بتاريخ الشعوب الأصلية في المنطقة، وهو ما يجعل أي نقاش حول اسمها يتجاوز مسألة الجغرافيا إلى التاريخ والهوية.

«بحيرة أمريكا» 

في 27 أغسطس 2026، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يوجّه إلى إعادة تسمية بحيرة أونتاريو باسم «بحيرة أمريكا» (Lake America) في الاستخدام الرسمي الأميركي، ضمن نظام الأسماء الجغرافية الفيدرالي في الولايات المتحدة.

وجاء القرار في وقت شديد الحساسية في العلاقات بين واشنطن وأوتاوا، بعد انهيار جولة جديدة من المفاوضات التجارية وتصاعد الخلاف بين البلدين.

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت في أغسطس رسوماً جمركية بنسبة 50% على سلع كندية تبلغ قيمتها نحو 27.6 مليار دولار كندي، أي ما يعادل قرابة 20 مليار دولار أمريكي. وردت كندا بفرض رسوم انتقامية على الواردات الأميركية بالقيمة نفسها تقريباً، على أن تدخل الإجراءات الكندية حيز التنفيذ في 8 سبتمبر.

 رسالة سياسية ورمزية

وفي هذا السياق، جاء قرار تغيير اسم البحيرة، ما دفع كثيراً من المسؤولين والمراقبين إلى قراءته باعتباره رسالة سياسية ورمزية في خضم الخلاف التجاري المتصاعد، رغم أن ترامب قدّم القرار بوصفه جزءاً من رؤيته لإبراز التاريخ الأميركي وأهمية البحيرات العظمى للاقتصاد الأميركي.

هل أصبحت «بحيرة أمريكا» اسمها الرسمي؟

أصبح اسم «بحيرة أمريكا» معتمداً للاستخدام الفيدرالي الأميركي بموجب الأمر التنفيذي، لكن ذلك لا يعني أن الاسم أصبح ملزماً لكندا أو تحول تلقائياً إلى الاسم الدولي للبحيرة.

فالأمر التنفيذي الأمريكي يوجّه الحكومة الأميركية إلى استخدام الاسم الجديد في نظام الأسماء الجغرافية الفيدرالي، ولا يمنح الولايات المتحدة سلطة إلزام كندا بتغيير اسم المسطح المائي المشترك بين البلدين. وأكد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن البحيرة ستظل تُعرف باسم «أونتاريو» في كندا، مشدداً على أن الاسم يعود إلى أكثر من 400 عام، أي إلى ما قبل قيام الكونفدرالية الكندية وإعلان استقلال الولايات المتحدة.

وبذلك، يمكن أن يظهر اسم «بحيرة أمريكا» في بعض السجلات والاستخدامات الحكومية الأميركية، بينما تستمر كندا في استخدام اسم «بحيرة أونتاريو». أما الاسم المتداول دولياً، فيبقى خاضعاً لاستخدام الدول والمؤسسات والخرائط والجهات المختلفة، وليس لقرار أميركي منفرد.

تغيير اسم المحيطين الأطلسي والهادئ

ولم يكتفِ ترامب بتغيير اسم بحيرة أونتاريو إلى «بحيرة أمريكا»، بل لمح خلال توقيع القرار إلى أن طموحه في إعادة تسمية المسطحات المائية قد يمتد أبعد من ذلك.

وقال ترامب خلال مراسم التوقيع إنه بعد وجود «خليج» و«بحيرة»، كل ما ينقصه هو «محيط»، في إشارة إلى احتمال تغيير اسم المحيط الأطلسي أو المحيط الهادئ، وربما كليهما.

ويأتي ذلك ضمن نهج أوسع تبنته إدارة ترامب في إعادة تسمية معالم جغرافية؛ إذ سبق أن وجّه في 2025 إلى استخدام اسم «خليج أمريكا»  بدلاً من «خليج المكسيك».