حراك وساطات نيويورك.. كسر الجمود دون اختراق

أعاد الحراك الدبلوماسي في نيويورك على هامش جمعية الأمم المتحدة الحرارة إلى المفاوضات الأمريكية الإيرانية، حيث دفع الطرفَين نحو إعادة اختبار البحث عن مخرج سياسي، من دون أن يعني ذلك أن شروط التسوية باتت ناضجة.

حيث حقق بعض التفاؤل بشأن إحراز تقدّم نحو التوصّل إلى اتّفاق دون تحقيق اختراق مع رفض الرئيس الأمريكي مقترحات طهران.

لا تكمن أهمية اجتماعات الجمعية العامة هذا العام في قدرتها المباشرة على فرض تسوية للصراع الأمريكي الإيراني الراهن، وإنما في قدرتها على تغيير البيئة السياسية والدبلوماسية التي تجري داخلها المفاوضات الأمريكية الإيرانية، حيث نجحت حالياً في أداء دور «صمام الأمان» لمنع الصراع من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة، بانتظار تبلور تفاهمات أكثر وضوحاً عقب انتهاء مرحلة الانتخابات والتحولات السياسية.

لا تزال المفاوضات بين الطرفين تراوح مكانها، دون تسجيل تقدّم ملموس نحو التوصل إلى تفاهمات جديدة، لكن حراك الوساطات كسر الجمود وفتح نافدة تواصل جديدة بين واشنطن وطهران، حيث شكلت فرصةً، ربّما تكون الأخيرة، قبل أن يبلغ التصعيد غير العسكري بين الطرفَين ذروته، بما قد يفتح الباب أمام انفجار عسكري أوسع في المنطقة، حيث ركزت جهود الوسطاء، كقطر وباكستان، على نقل الرسائل وتخفيف التوتر.

محاولات تهدئة

تدخل المواجهة الأمريكية – الإيرانية مرحلة تبدو فيها كلفة استمرار الحرب عاملاً متقدّماً مع الاضطرابات في مضيق هرمز، فيما يستمرّ تشديد العقوبات وإجراءات الحصار والتهديدات المتبادلة، ومع اشتداد كل أزمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، تطفو على السطح محاولات من عدة قوى دولية وإقليمية للوساطة، إذ تحاول تلك القوى تهدئة الأمور من جهة، والدفع نحو الحل لاسيما فيما يتعلق بمضيق هرمز الذي يمثل ممراً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، وإن لم تحقق أي اختراق إلا أنها نجحت في أن توفر البيئة السياسية التي تجعل العودة إلى التفاوض أكثر قابلية للتحقق.

وجاء ذلك بعد اللقاء التاريخي الذي جرى في نيويورك بين الوفد الأمريكي والوفد الإيراني ودام أكثر من 3 ساعات ووصفه ترامب بالبنّاء.

لا شك أن اجتماعات نيويورك مختلفة هذه السنة عن جولات التفاوض السابقة في نقطة أساسية: انتقلت من محاولة بحث الملف النووي وحده إلى محاولة بناء صفقة أوسع تشمل وقف الحرب، مضيق هرمز، العقوبات والأصول الإيرانية، والملف النووي في حزمة واحدة.

تكشف التطورات الحالية انقساماً في تأطير المسار التفاوضي: وسائل إعلام أمريكية تُبرز العقبات البنيوية وتُحمّل طهران مسؤولية تعثر الاتفاق، فيما تبرز المنصات المقرّبة من طهران مشكلة غياب الثقة، ويبدو أي من الطرفين مستعداً للتخلي عن أوراقه من دون مقابل ملموس.

التحدي لا يقتصر على وضع الخطوط العريضة لأي اتفاق، بل يشمل ضمان أن تكون التنازلات متبادلة ومستدامة بما يكفي للمضي قدماً في حل ملف هرمز والنووي، فواشنطن تملك أدوات اقتصادية قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بإيران، بينما تزايد طهران على ورقة مضيق هرمز.

قنوات مفتوحة

كشف دبلوماسيون إقليميون أن محادثات نيويورك تجري عبر وسطاء يتنقلون بين الوفدين الأمريكي والإيراني.

وجاء ذلك تزامناً مع إعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ومسؤولين إيرانيين عن وجود قنوات مفتوحة ومؤشرات على رغبة متبادلة في بحث صيغة تفاهم جديدة، وهنا تبرز الصين كطرف أكثر ثقلاً في خلفية المشهد، فدورها الوسيط يتجاوز نقل الرسائل إلى القدرة أكبر على التأثير في حسابات الأطراف المعنيّة.

وقد قلب المعادلة من «مَن يتنازل أولاً؟» إلى كيف نقدّم تنازلات متزامنة؟

تتركز الوساطات حالياً على تفعيل التفاهمات السابقة وحلحلة ملفين رئيسيين: أزمة حرية الملاحة في مضيق هرمز، والملف النووي الإيراني لأن القضية لم تعد أمريكية-إيرانية فقط؛ هرمز أصبح قضية دولية تتعلق بالطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي.

فجوة الثقة

نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، دعا إيران والولايات المتحدة إلى الدخول في مفاوضات حقيقية، ويؤكد محللون أن النجاح يظل مرهوناً بتجاوز فجوة الثقة العميقة والشروط المعقدة المفروضة من الطرفين، رغم وجود رغبة متبادلة في تجنّب الانفجار الشامل إلى ما بعد الانتخابات الأمريكية.

تضمّنت الخطة الإيرانية الجديدة وقف كلّ الأعمال العدائية في الشرق الأوسط لـ7 أيام، بما في ذلك في لبنان.

وتنص الخطة أيضاً على المطالبة بالإفراج عن أصول إيرانية مجمّدة بقيمة نحو 12 مليار دولار، فضلاً عن رفع العقوبات عن النفط الإيراني وإنهاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية.

لكن ترامب طالب بفتح مضيق هرمز فوراً دون تنازلات، وأكد أن الضغط الاقتصادي والحظر البحري كفيلان بإجبار طهران على فتح مضيق هرمز.

ويرى محللون أن السجال العلني الحاد يقلل من فاعلية الدبلوماسية، ولن يؤدي إلى حل جذري وشامل وسريع للملف الإيراني في الوقت الراهن.

فيما يسعى كلّ طرف إلى تحسين شروطه بالأدوات العسكرية والاقتصادية.

ومع ذلك، طهران تدرك أن الوضع الاقتصادي الداخلي والعزلة الإقليمية والجغرافية التي تعاني منها، قد تجبرها على ضرورة التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال القنوات السرية لتقليل حدة الخناق الاقتصادي، والتخفيف من شبح التصعيد العسكري.

فيما نجد هناك عوامل أخرى منها ارتفاع كلفة الحرب وملاحة دولية، وهذا يخلق حافزاً أكبر للتسوية لدى الطرفين.

لكن تبقى معضلة رئيسة في المفاوضات بين الطرفين وهي أن التجربة السابقة أثبتت أن الاتفاقات السريعة تنهار إذا كانت بنودها غامضة.