1.2 تريليون دولار.. هل ينجح «وعد ترامب» في حسم الانتخابات النصفية؟

قبل شهر من انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر، ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأثقل أوراقه الانتخابية. ففي الثالث من أكتوبر كتب على منصته «تروث سوشيال» أنه إذا فاز الجمهوريون بمجلسَي النواب والشيوخ، فسيمنح جميع المواطنين البالغين في الولايات المتحدة خمسة آلاف دولار، مضيفاً أنه يتطلع إلى توقيع تلك الشيكات.

لم يكن الوعد جديداً تماماً؛ فقد طرحه ترامب أول مرة باسم «توزيعات ترامب» خلال أول مؤتمر نصفي يعقده الحزب الجمهوري في سبتمبر، ثم جدّده في رسالة مصوّرة، وقدّمه يومها بوصفه ثمرة لما سمّاه القوة والنجاح الاقتصاديين، مشترطاً أن تُنفق المبالغ داخل الولايات المتحدة.

وقد تداولت عناوين صحفية الوعد على أنه مكافأة لمن يصوّت لترامب وحزبه، لكن النص أوسع من ذلك وأخطر في آن. فالمال، وفق صياغته، لا يُربط بصوت الفرد، ويُربط بنتيجة الانتخابات كلها؛ إذا فاز الجمهوريون، يتسلّم الديمقراطي والجمهوري والممتنع عن التصويت الشيك نفسه. ولهذا يصفه خصومه بأنه أقرب إلى رشوة جماعية للناخبين؛ فقد اتهم السيناتور الديمقراطي مارك كيلي ترامب صراحة بمحاولة «شراء الأصوات» بهذا الاقتراح.

كم يكلّف الوعد؟

الحساب بسيط في ظاهره، فمع نحو 240 مليون أميركي بالغ، تبلغ الكلفة الإجمالية 1.2 تريليون دولار، وهو رقم يعادل نحو خُمس الإيرادات الفيدرالية البالغة قرابة 5.25 تريليون دولار في العام الماضي، ويتجاوز موازنة الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 البالغة 1.01 تريليون دولار.
وتقدّر لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة، وهي هيئة غير حزبية يضم مجلسها اقتصاديين ومسؤولين سابقين من الحزبين، كلفة الخطة بنحو 1.2 تريليون دولار، أما ترامب نفسه فقدّرها بنحو تريليون دولار.

وتكشف أرقام العجز حجم المغامرة، فبحسب اللجنة، سترفع التوزيعات العجز الأولي للحكومة الفيدرالية في العام المقبل من 780 مليار دولار إلى تريليوني دولار، ليصل العجز الإجمالي المتوقع إلى 3.1 تريليونات دولار. ويأتي ذلك والدين العام قد تخطّى 40 تريليون دولار، والعجز السنوي يقترب من 1.8 تريليون. ولم تتردد رئيسة اللجنة مايا ماكغينيس في وصف المقترح بأنه خطير مالياً ومعكوس اقتصادياً وغير جاد في أساسه.

المصدر والممول

يقول البيت الأبيض إن التعريفات الجمركية هي الممول؛ فقد أكد نائب الرئيس جيه دي فانس، عقب إعلان ترامب، أن التوزيعات ستُموَّل من إيراداتها، وكرر ترامب أن المبلغ سيُغطّى من التعريفات والنمو الاقتصادي، غير أن الأرقام لا تسعف هذه الرواية.

فوفق تحليل مؤسسة الضرائب، لا تغطي الإيرادات المتوقعة من التعريفات التي فرضها ترامب بأوامر تنفيذية سوى عُشر كلفة التوزيعات، إذ تقدّر المؤسسة إيرادات العام المقبل بنحو 125 مليار دولار فقط في ظل السياسات الحالية. وحتى قناة «فوكس نيوز» المقرّبة من ترامب أبدت تشككها، مشيرة إلى أن إيرادات التعريفات السنوية، وهي في حدود 200 مليار دولار، تقصر كثيراً عن الكلفة المقدّرة. أما رقم الـ21 تريليون دولار الذي يردده ترامب، فلا علاقة له بإيرادات التعريفات، ويُفهم على أنه حجم الاستثمارات الأجنبية التي يتوقع تدفقها إلى البلاد بفضل سياساته التجارية.

وزاد القضاء الطين بلّة، ففي العشرين من فبراير 2026، قضت المحكمة العليا بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة بأن قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية لا يخوّل الرئيس فرض الرسوم الجمركية، فأسقطت بذلك الجزء الأكبر من التعريفات التي فرضها ترامب. ومنذ ذلك الحين، أعادت الحكومة أكثر من 100 مليار دولار إلى المستوردين، أي ما يزيد على نصف التحصيلات التي اعتبرتها المحكمة غير قانونية والبالغة نحو 166 مليار دولار. وكان نموذج الموازنة في جامعة بنسلفانيا قد قدّر أن تحصيلات التعريفات المستقبلية ستتراجع إلى النصف ما لم تُعوَّض بمصدر آخر، في حين أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الجمع بين صلاحيات جمركية بديلة سيُبقي إيرادات 2026 دون تغيير يُذكر.

وفي الحالتين، حتى مع أكثر التقديرات تفاؤلاً، تبقى إيرادات التعريفات جزءاً صغيراً من التريليون المطلوب؛ وما يتبقى لا يمكن سداده إلا بالاقتراض.

حتى لو تدفّق المال، يبقى سؤال الصلاحية. فالإنفاق الفيدرالي في الولايات المتحدة من اختصاص الكونغرس، وقد أكد مارك غولدواين، مدير السياسات في لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة، أن ترامب لا يملك سلطة إرسال هذه الأموال دون موافقة الكونغرس. غير أن ترامب لمّح إلى أنه قد يتمكن من إصدار الشيكات دون موافقة المشرّعين، وهو ما يفتح الباب لمعركة دستورية جديدة إن حاول.

وحتى في أفضل السيناريوهات بالنسبة إليه، أي فوز الجمهوريين بالمجلسين، سيتعيّن على الاقتراح أن يمر بمسار التشريع والتمويل قبل أن تُصرف أي مبالغ في وقت ما بعد نوفمبر 2026. ولا توجد حتى الآن أي استمارة للتقديم ولا أي موعد للصرف.

وعود سابقة

يقرأ كثير من الأميركيين الوعد الجديد على ضوء ما سبقه من وعود، ففي عام 2025، دعم ترامب فكرة «توزيعات دوج» بقيمة خمسة آلاف دولار من وفورات إدارة الكفاءة الحكومية التي قادها إيلون ماسك، ثم وعد بمدفوعات قدرها 2000 دولار من عائدات التعريفات، ولم تُصرف أيٌّ منهما. وكان ترامب قد قال في نوفمبر 2025 إنه سيرسل ألفي دولار لكل أميركي من إيرادات تعريفات زعم، خلافاً للواقع، أنها ستبلغ «تريليونات» الدولارات.

أما ما يُصرف فعلاً قبيل الانتخابات فأصغر كثيراً: 90 دولاراً لنحو 20.8 مليون من المسجلين في برنامج «ميديكير»، و500 دولار لنحو 950 ألفاً من عملاء «أوباما كير». وتُموَّل مدفوعات «ميديكير» من صندوق تحسين البرنامج، ولا صلة لها بالتوزيعات الموعودة. وبحساب بسيط، يبلغ مجموع الدفعتين نحو 2.35 مليار دولار، أي قرابة 0.2% من كلفة الوعد الكبير.

كم ناخباً جمهورياً متوقعاً؟

يتحدث ترامب عن 245.3 مليون ناخب مؤهل قد يتسلّمون الشيك، لكن من يصوّتون فعلاً في الانتخابات النصفية أقل من نصف هؤلاء عادة، ففي انتخابات 2022، أُدلي بنحو 107.7 ملايين صوت صحيح في انتخابات مجلس النواب، أي نحو 45.1% من السكان المؤهلين للتصويت، مقابل 48.1% في 2018، وهي نسبة لم تشهدها الانتخابات النصفية منذ أكثر من قرن. وحصل الجمهوريون يومها على نحو 54.4 مليون صوت مقابل 51.3 مليون للديمقراطيين.

وتشير استطلاعات هذا الخريف إلى رياح معاكسة للجمهوريين، فقد وسّع الديمقراطيون تقدّمهم في الاقتراع العام على الكونغرس إلى 8 نقاط بين الناخبين المرجّح تصويتهم، وفق استطلاع «فوكالداتا» لصحيفة «فايننشال تايمز» الذي أُجري بين 2 و5 أكتوبر. ويضاف إلى ذلك عامل الحماسة؛ إذ أظهرت استطلاعات سابقة في الدورة أن الديمقراطيين أكثر يقيناً من مشاركتهم، في انقلاب على نمط الدورات النصفية الخمس الماضية التي كان الجمهوريون فيها الأكثر إقبالاً. وهذا مهم لأن الجمهوريين في 2022 استفادوا من فارق المشاركة، إذ صوّت 71% من ناخبي ترامب في الانتخابات النصفية مقابل 67% من ناخبي بايدن.

وبحساب تقريبي يقوم على هذه المعطيات، فإن مشاركة تتراوح بين 45% و48% من نحو 245 مليون ناخب مؤهل تعني ما بين 110 و118 مليون صوت. وإذا ترجم تقدّم ديمقراطي بثماني نقاط إلى حصة جمهورية تقارب 46% من أصوات الحزبين، فإن عدد المصوّتين للجمهوريين سيتراوح بين 50 و54 مليوناً تقريباً، أي في حدود ما حصلوا عليه في 2022 أو دونه. وهذا تقدير يتحرك مع كل نقطة في الاستطلاعات ونسب المشاركة، فلا يُقرأ رقماً نهائياً.

والمفارقة التي يكشفها هذا الحساب أن الشيكات، لو صُرفت، سيذهب الجزء الأكبر منها إلى غير المصوّتين للجمهوريين. فمن أصل 1.2 تريليون دولار، لا يتجاوز نصيب نحو 52 مليون ناخب جمهوري 260 مليار دولار، أي نحو 22%، بينما تذهب البقية إلى الديمقراطيين والمستقلين والممتنعين عن التصويت. وبعبارة أخرى، يكلّف كل صوت جمهوري الخزينة نحو 23 ألف دولار.

هل يقنع المال الناخبين؟

لا تبدو الاستطلاعات في صف ترامب، فوفق استطلاع «إيكونوميست/يوغوف»، لا يعتقد سوى 21% من الناخبين المسجلين أن ترامب سيفي بوعده «بالتأكيد» أو «على الأرجح»، مقابل 57% يشكّون في صرف الشيكات. أما الموقف من الفكرة نفسها فمنقسم إلى مؤيدين بنسبة 43% مقابل معارضين بنسبة 45%. وبين الناخبين المرجّح تصويتهم، قال 61% إن ترامب لن يفي بوعده على الأرجح أو بالتأكيد إن احتفظ الجمهوريون بالكونغرس. والأسوأ للجمهوريين ما وجده استطلاع لشبكة «إن بي سي»: إذ قال 21% فقط إن دعم مرشحٍ ما لخطة الخمسة آلاف دولار سيجعلهم أميل إلى التصويت له، مقابل 46% قالوا إنه سيجعلهم أقل ميلاً.

وحتى داخل قاعدة ترامب ظهرت السخرية؛ ففي مجموعة نقاش أدارتها الاستراتيجية الجمهورية السابقة سارة لونغويل، قالت ناخبة لترامب إنها ما زالت تنتظر شيك «دوج» وشيك التعريفات، وشبّهت الوعد بمرشح لرئاسة الصف في المدرسة الابتدائية يعد زملاءه برحلة إلى مدينة الألعاب المائية إن انتخبوه.

ختاماً، تقف أمام الرقم الجذاب أربع عقبات كؤود؛ تبدأ بالكلفة التي تتجاوز موازنة الدفاع الأميركية كاملة، ومصدر التمويل الموعود الذي لا يغطي سوى عُشرها بعد أن قلّصته المحكمة العليا، وصلاحية دستورية بيد الكونغرس، وسجلٌّ من الوعود المماثلة التي لم تتحقق. ويتحوّل الوعد بذلك إلى اختبار لسؤال قديم متجدد في السياسة الأميركية؛ هل يشتري المال الموعود أصوات الناخبين، أم يذكّرهم بما وُعدوا به من قبل ولم يصلهم؟ والجواب الأولي في الاستطلاعات يميل إلى الاحتمال الثاني؛ أما الجواب النهائي ففي صناديق الثالث من نوفمبر.