كشف موقع «أكسيوس» أن ناشطين من تيار «ماغا» الداعم للرئيس دونالد ترامب يضغطون عليه للجوء إلى إجراءات استثنائية، من بينها إعلان الأحكام العرفية، إذا اعتقدوا أن انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر «مزوّرة». وتكتسب هذه الدعوات خطورتها من أمرين، بحسب الموقع: أن بعض المقترحات يتجاوز كثيراً صلاحيات الرئيس القانونية، دون أي دليل على أن الانتخابات ستُزوّر، وأن أصحابها يملكون وصولاً مباشراً إلى الرئيس.
وفي قلب هذه الدائرة تقف تينا بيترز، الناشطة البارزة في حركة التشكيك بالانتخابات، التي التقت ترامب هذا الشهر، بعد أن زارته في البيت الأبيض أواخر يونيو برفقة محاميها بيتر تيكتين، وفق «أكسيوس». وبيترز هي الكاتبة السابقة لمقاطعة ميسا في ولاية كولورادو، أدينت بأربع جنايات وثلاث جنح مرتبطة باختراق أنظمة التصويت في مقاطعتها، وصدر بحقها حكم بالسجن تسع سنوات. وفي مايو الماضي، خفّض حاكم الولاية الديمقراطي جاريد بوليس عقوبتها إلى النصف، معللاً قراره بأن حرية التعبير التي مارستها أُخذت في الاعتبار بشكل غير سليم عند إصدار الحكم، فخرجت من السجن في الأول من يونيو بعد 19 شهراً خلف القضبان. وقد حظيت قضيتها بدعم شخصي من ترامب، الذي كتب مراراً على وسائل التواصل «حرّروا تينا». وأثار قرار بوليس غضب حزبه، إذ وجّه إليه الحزب الديمقراطي في الولاية لوماً رسمياً ومنعه من التحدث في فعالياته. لكن تخفيف العقوبة لا يعني العفو، فبيترز ما زالت مدانة بجناية، وتطعن في إدانتها أمام المحكمة العليا للولاية.
خروقات أمنية
يروي «أكسيوس» تفاصيل مكالمة فيديو بُثت في 30 سبتمبر على منصة «رامبل» لناشطين في ملف الانتخابات، حذّر فيها المتحدثون من خروقات أمنية واسعة يعتقدون أنها ستقع في نوفمبر، ودعوا إلى معالجات عاجلة. وقال تيكتين، صديق طفولة ترامب، خلال المكالمة إنه «ستكون هناك حاجة إلى الأحكام العرفية» في حال حدوث «انتخابات مزوّرة أخرى». وأوضح لاحقاً للموقع أنه «قد تكون هناك حاجة إلى مصادرة بطاقات الاقتراع ومعدات التصويت» للتحقيق قبل أن يحدث أي شيء آخر. أما غريغوري ستنستروم، الذي أدلى بشهادة عن مخالفات مزعومة في انتخابات بنسلفانيا عام 2020، فاقترح تجميد الانتخابات لأسباب أمنية، أو أن يستند ترامب إلى قانون الطوارئ الوطنية لإجبار الولايات على تغيير طريقة إدارتها للاقتراع. وتروّج بيترز منذ أغسطس لخطتها الخاصة، القائمة على اعتماد بطاقات اقتراع ورقية تُملأ يدوياً، وإعادة فرز الأصوات يدوياً حيثما أمكن، وهو ما قال تيكتين إنه «سيلغي أي أثر للآلات».
لم تبق هذه الدعوات حبيسة الشاشات. فبحسب «أكسيوس»، يوجّه مضيف المكالمة، ستيف ستيرن، متابعيه إلى التسجيل عبر الحزب الجمهوري ليعملوا موظفين في مراكز الاقتراع ومراقبين للانتخابات في نوفمبر.
وتلتقي هذه المقترحات مع مسار طويل سلكه ترامب نفسه. ففي أغسطس 2025، تعهّد بقيادة حملة للتخلص من التصويت بالبريد وآلات التصويت، ووعد بتوقيع أمر تنفيذي قبل انتخابات التجديد النصفي. ثم وقّع في مارس أمراً يجعل هيئة البريد الأمريكية حَكَماً في تحديد من يتلقى بطاقة الاقتراع البريدية، ويوجّه وزارة الأمن الداخلي إلى إعداد قوائم بالمواطنين المؤهلين للتصويت. لكن المحاكم الفيدرالية أوقفت الركائز الأساسية لأمرين تنفيذيين، كان من شأنهما تحويل البريد إلى جهة رقابة على الاقتراع، وإلغاء مهلة استلام البطاقات المتأخرة، واشتراط إثبات الجنسية للتسجيل. وفي سبتمبر، رفضت المحكمة العليا إعادة العمل بخطة ترامب للتصويت البريدي في الانتخابات المقبلة، في ثالث محاولة للإدارة أمامها. ويؤكد مركز «برينان» للعدالة أن الأمر التنفيذي الخاص بالبريد لن يكون نافذاً في انتخابات 2026. ومع انسداد معظم هذه الطرق، ترك ترامب الباب مفتوحاً أمام احتمال الاستجابة لدعوات أنصاره إلى إجراءات جذرية قبل نوفمبر، كما أبقى في مايو الماضي الباب موارباً أمام إرسال عناصر مسلحة أو قوات إلى مراكز الاقتراع.
صلاحيات الطوارئ
غير أن الجدار القانوني أمام هذه المقترحات صلب. فقد قال ديريك تيسلر، المستشار في برنامج الانتخابات والحكومة بمركز «برينان»، لـ«أكسيوس»، إن صلاحيات الطوارئ ليست شيكاً على بياض، وإن على الرئيس أن يتصرف في حدود الدستور والقوانين التي يسنّها الكونغرس. وعدّد ثلاثة حدود: فالكونغرس هو من يحدد موعد الانتخابات الفيدرالية، ولا يملك ترامب تأجيلها منفرداً؛ والولايات هي من تختار أنظمة التصويت وتحدد طريقة الفرز، فلا يستطيع الرئيس فرض إعادة فرز يدوي على مستوى البلاد أو الأمر باستبدال الآلات؛ وصلاحيات الطوارئ والأحكام العرفية لا تتيح له تجاوز قوانين الولايات الانتخابية أو القيود الدستورية، ولا تمنحه سلطة الاستيلاء على مواد الاقتراع.
ويضيف القانون الفيدرالي قيداً أشد. فمنذ عام 1865، يحظر القانون المعروف اليوم بالمادة 592 من الباب 18 من المدونة الأمريكية نشر قوات أو عناصر فيدرالية مسلحة في مراكز الاقتراع، إلا إذا كانت القوة ضرورية لصد «أعداء مسلحين للولايات المتحدة». ويعاقب القانون على المخالفة بالسجن حتى خمس سنوات، ولم يستند أي رئيس إلى هذا الاستثناء طوال 161 عاماً. ولهذا القانون جذور تاريخية تفسّر صرامته: فخلال الحرب الأهلية، كانت القوات الفيدرالية المتمركزة في مراكز الاقتراع بولاية ماريلاند تفحص الناخبين وتمنع من يُرجَّح تصويتهم لمرشحين معارضين للحرب، فيما وُضعت كنتاكي تحت الأحكام العرفية في فترة شملت انتخابات 1864 الرئاسية. وجاء القانون رداً صريحاً من الكونغرس على استخدام رئيس لصلاحيات الطوارئ في ذروة أخطر أزمة عرفتها البلاد. ويرى خبراء قانونيون في موقع «لوفير» أن قانون التمرد، الذي يمنح الرئيس صلاحيات استثنائية في ظروف محددة، لا يتجاوز هذا الحظر، فالمادة 592 تقيّد الرئيس في نشر عناصر مسلحة عند مراكز الاقتراع.
خطوط حمر
لكن ما يقلق المراقبين أن الشكوك في انتخابات 2020 لم تعد حكراً على الناشطين خارج السلطة. فبحسب «أكسيوس»، تشغل هيذر هوني، المعروفة بإنكار نتائج انتخابات 2020 في بنسلفانيا وأريزونا، منصب نائبة مساعد وزير الأمن الداخلي لشؤون نزاهة الانتخابات، إلى جانب عملها مستشارة أولى لمدير وكالة الهجرة والجمارك. ولا يزال بيتر نافارو، مستشار البيت الأبيض، يروّج لتقريره عن تزوير واسع شاب انتخابات 2020.
ويرى ديفيد بيكر، المدير التنفيذي لمركز ابتكار الانتخابات والأبحاث، أن هذه الانتخابات لم تفاجئ الإدارة، مشيراً في حديثه لـ«أكسيوس» إلى أنها في السلطة منذ 21 شهراً، ولم تتخذ أياً من هذه الخطوات رغم أن الانتخابات باتت على بعد 20 يوماً. وفي المقابل، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض لورين بيس للموقع إن الأمريكيين يستحقون انتخابات آمنة وشفافة تضمن الثقة الكاملة بنتائجها، وإن الرئيس يؤمن بأن كل صوت قانوني يجب أن يُحتسب، وكل انتخابات يجب أن تُحمى.
وتأتي هذه الدعوات في لحظة سياسية حساسة، إذ تشير استطلاعات كثيرة إلى أن الانتخابات المقبلة قد تُنهي سيطرة الجمهوريين على الكونغرس. ويحذّر مركز «برينان» من موجة متوقعة من الادعاءات الكاذبة أو المضللة حول آلات التصويت، من قبيل أنها اختُرقت أو «قلبت» الأصوات أو تلاعب بها العاملون عليها. وبين ناشطين يمهّدون منذ الآن لرواية «التزوير»، ورئيس لم يُغلق الباب أمام الإجراءات الاستثنائية، وقانون يرسم خطوطاً حمراء واضحة، يبدو السؤال الأهم في الأيام العشرين المقبلة: هل تبقى «الأحكام العرفية» فكرة تُتداول في مكالمات الفيديو، أم تتحول إلى ورقة تُلوَّح بها إن لم تأتِ النتائج على هوى أصحابها؟

