أزمة فرنسا.. هل رأت أمريكا نفسها؟

حين اشتعلت شوارع فرنسا في عطلة نهاية الأسبوع، في أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات، لم تكن الأحداث في الولايات المتحدة مجرد أخبار خارجية. فقد تحولت، في غضون ساعات، إلى مادة في السجال الأمريكي الداخلي، يقرأ فيها كل تيار سياسي ما يؤيد رؤيته للعالم، ويستخلص منها ما يخدم معركته. وفي موسم انتخابي محتدم، بدا الغضب الفرنسي حجة جاهزة لثلاث قراءات متباينة، تختلف في كل شيء تقريباً، إلا في أنها تتحدث، في جوهرها، عن أمريكا.

قبل الدخول في القراءات المتباينة، لا بد من الوقائع التي تتفق عليها وكالات الأنباء والتغطيات التفسيرية. فقد بدأت الموجة الحالية أواخر سبتمبر، حين خرج طلاب المدارس الثانوية والجامعات احتجاجاً على خطة موازنة تقلّص الإنفاق على التعليم، وغضباً من وظائف تدريس شاغرة ومبانٍ مدرسية متهالكة. ثم انضمت النقابات والمزارعون وفئات عمالية أخرى، فتحولت المطالب التعليمية إلى حركة واسعة مناهضة للحكومة. وفي السابع عشر من أكتوبر، شارك أكثر من نصف مليون شخص في احتجاجات وطنية ضد غلاء المعيشة، غلب عليها الطابع السلمي، قبل أن تنزلق أجزاء منها إلى أعمال شغب ونهب، استغل فيها مخربون التجمعات غطاءً لأفعالهم.

وحمّلت الحكومة الفرنسية المسؤولية لمجموعات من أقصى اليسار نظّمت العنف في عدة مدن، ولجانحين انضموا إليها للنهب والتخريب. ولم يثبت في فرنسا، بحسب الوكالة الفرنسية، أي رابط بين الحركة الطلابية ومطالب دينية أو هوياتية. ومن هذا الخط المرجعي يمكن قياس المسافة بين الوقائع وكل قراءة أمريكية لها.

خطر الهجرة

كان اليمين الشعبوي، ممثلاً في الرئيس دونالد ترامب وتيار «ماغا» الداعم له، الأسرع إلى توظيف الأحداث، والأوضح في ربطها بأجندته. واللافت أن قراءته لم تكن رد فعل على مشاهد العنف الأخيرة، فقد سبقتها بأسابيع. ففي السادس من أكتوبر، خلال الموجة الطلابية الأولى، كتب ترامب على منصته «تروث سوشيال»: «ما يحدث في فرنسا ليس سوى هجرة جماعية خارجة عن السيطرة». ومضى ينسب الاحتجاجات إلى الإسلام، نافياً أن تكون لها صلة بالمدارس، دون أن يقدم أي دليل. ويومها، رصدت الوكالة الفرنسية أن قادة التيار يستخدمون الاحتجاجات الفرنسية لترسيخ رسائلهم عن الهجرة قبيل الانتخابات، وأن المعلق غلين بيك، حليف ترامب، كتب أن ما يجري في فرنسا تحذير واضح لبقية الغرب.

ثم جاءت مشاهد عطلة نهاية الأسبوع، فعاد ترامب إلى الإطار نفسه. ففي منشور يوم 19 أكتوبر، زعم أن المهاجرين مسؤولون عن النهب في فرنسا، وحمل المشهد إلى خطابه الانتخابي محذراً من تكراره في الولايات المتحدة. ولحق به أركان إدارته؛ فقد نسبت «فوكس نيوز» إلى السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز قوله إن فرنسا «مجرد أول من يسقط» أمام حركات تسعى لفرض أجندتها اليسارية.

ووجدت هذه القراءة في الإعلام المحافظ ما يسندها. فقد نشرت «فوكس نيوز» تحقيقاً قالت فيه إنها أحصت 54 منظمة شاركت بدرجات متفاوتة في تنظيم الاحتجاجات أو دعمها أو الترويج لها، من أحزاب شيوعية ونقابات إلى منظمات طلابية مسلمة ومجموعات تضامن مع فلسطين، وجمعتها تحت تسمية صاغتها هي: «فوضى إنك». ثم وسّعت رصدها، وفق تعريف فضفاض يجمع بين التنظيم والتنسيق والتضخيم الإعلامي، لتصل إلى 101 جهة في 13 دولة، بينها الولايات المتحدة نفسها.

والدافع الانتخابي واضح. فبحسب الوكالة الفرنسية، يضاعف الجمهوريون خطابهم عن الهجرة، وسط مخاوف من أن تُفقدهم شعبية ترامب المتراجعة وحربه على إيران السيطرة على الكونغرس. وفي هذه القراءة، تصبح فرنسا تحذيراً معروضاً على الناخب الأمريكي: "انظروا إلى ما ينتظركم إن خسرنا".

غير أن الوقائع ظلت تلاحق هذه الرواية حتى في منابرها. فقد استدركت «فوكس نيوز» نفسها، في تقريرها عن تصريحات ترامب ووالتز، بأن «رويترز» و«أسوشيتد برس» أفادتا بأن الحركة بدأت بسبب أوضاع المدارس. وجاء الرد الفرنسي لاذعاً، إذ شبّهت باريس موقف ترامب بموقف إيران، التي كانت قد استدعت السفير الفرنسي احتجاجاً على ما وصفته بالرد العنيف على احتجاجات المدارس، فوجدت فرنسا نفسها بين خصمين يلتقيان، من موقعين متقابلين، على نزع أزمتها من سياقها المحلي.

لم يكن تحذير ترامب من انتقال حرائق فرنسا إلى الولايات المتحدة بلا جمهور مستعد لتصديقه. فأمريكا نفسها تدخل انتخابات التجديد النصفي وهي مثقلة بارتفاع الأسعار، وحرب غير شعبية، واحتجاجات على سياسات الهجرة، وشكوك في قبول النتائج. غير أن التشابه في الوقود لا يعني تطابق الحريق؛ فالبنية الفيدرالية الأمريكية وتشتت الحركات الاحتجاجية يجعلان تكرار الانتفاضة الفرنسية بحجمها الوطني أقل ترجيحاً، فيما يرفع الاستقطاب الحاد احتمال سيناريو مختلف: مواجهات محلية، وعنف أفراد، وأزمة انتخابية تنتقل من صناديق الاقتراع إلى الشارع.

تحذير من الاستقطاب

في الضفة المقابلة، يقرأ التيار الليبرالي الوسطي الأحداث بعدسة مختلفة تماماً، يرى فيها عرَضاً لمرض سياسي أعمق: انهيار القدرة على الحكم في ديمقراطية منقسمة. وتعكس هذه القراءة تغطية «سي إن إن»، التي كتبت أن الشغب عرَض لأزمة عامة وسياسية أكبر بكثير، وأن التشرذم الذي شلّ البرلمان بعد الانتخابات المبكرة التي دعا إليها ماكرون عام 2024 يرجَّح أن يستمر، وأنه في صميم الأزمة الفرنسية، وأن الوسط السياسي في فرنسا «تبخّر»، فيما عجز رؤساء وزراء ماكرون المتعاقبون عن تمرير موازنة.

وتذهب هذه القراءة إلى سؤال المستفيد. فقد نقلت «نيويورك تايمز» عن المحلل السياسي برونو كوتريس أن صورة فرنسا التي ترتسم بعد الدمار تخدم «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، وأن الحزب لن يخرج خاسراً مما يجري. والدرس الضمني الذي يستخلصه هذا التيار واضح: الاستقطاب الذي يفكك الوسط ويشل المؤسسات هو الذي يفتح الطريق للمتطرفين، وهي معادلة لا تخص فرنسا وحدها.

واقعية السوق

أما عالم المال والأعمال، فيبدأ حسابه من الديون. فقد رصدت «سي إن بي سي» ارتفاع عوائد السندات الفرنسية وتراجع اليورو مع تزايد قلق المستثمرين على الموازنة، ونقلت عن شارون بيل، كبيرة الاستراتيجيين في «غولدمان ساكس»، أن خفض العجز سيكون صعباً دون إجراءات مؤلمة. لكن هذه القراءة لم تقف عند الأرقام، فقد ناقشت جذور الغضب أيضاً، ونقلت عن أحد المحللين أن ارتفاع كلفة الطاقة عامل قائم، لكنه أقل من ارتفاع 2022 مع بداية الحرب في أوكرانيا، حين لم تشهد أوروبا احتجاجات عنيفة مماثلة، وأن الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة عامل آخر تستثمره المعارضة. وفي هذه العدسة، يصبح السؤال الأهم ما إذا كانت فرنسا قادرة على تسويق 340 مليار يورو من السندات العام المقبل.

أمريكا في المرآة

اللافت أن الخلاف بين هذه التيارات لا يكمن في امتلاك أحدها الوقائع وافتقار الآخر إليها، فالوقائع الأساسية حاضرة، بدرجات متفاوتة، في معظم القراءات. الخلاف الحقيقي في ترتيب السببية: اليمين الشعبوي يبدأ من الهجرة والتنظيمات الراديكالية، والوسط الليبرالي من شلل النظام السياسي، وعالم المال من الدين والموازنة. وكل تيار يختار عنصراً واحداً ليكون السبب الأول الذي يفسر ما عداه، ويحيل البقية إلى الهامش. وفي السياسة كما في الإعلام، تُصنع الرواية بما يُقدَّم سبباً أول، أكثر مما تُصنع بما يُذكر أو يُحذف.

في المحصلة، رأت التيارات الأمريكية المشهد نفسه، ورتّبته كل منها على هواها: المدارس المتداعية، واليسار الراديكالي، والنهب، والدين العام، والانتخابات المقبلة. غير أن ما يجمع القراءات الثلاث أعمق مما يفرقها. فاليمين الشعبوي يحذّر من أن ما حدث في باريس سيحدث في المدن الأمريكية إن خسر الانتخابات، والوسط الليبرالي يقرأ في انهيار الوسط الفرنسي ظلاً لاستقطاب يمزق المؤسسات الأمريكية، وعالم المال يرى في ديون فرنسا جرس إنذار لكل دولة مثقلة بالاقتراض. وكلها، في النهاية، تتحدث عن مخاوفها هي.