خدعة بحرية وسفينة غامضة.. ماذا حدث في أعماق المحيط؟

في واحدة من أجرأ العمليات الاستخباراتية خلال الحرب الباردة، ابتكرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «CIA» غطاءً استثنائيا لانتشال غواصة سوفيتية غارقة من أعماق المحيط الهادئ، عبر سفينة عملاقة بدت للعالم وكأنها مخصصة للتنقيب عن المعادن في قاع البحر، بينما كانت تخفي مهمة سرية بالغة التعقيد.

تعود القصة إلى مارس 1968، حين اختفت الغواصة السوفيتية «K-129»، التي كانت تحمل ثلاثة صواريخ نووية وعلى متنها 98 بحارا، خلال دورية في المحيط الهادئ. وبعدما أخفقت البحرية السوفيتية في العثور عليها، تمكنت الولايات المتحدة من تحديد موقع الحطام على عمق يقارب 5 آلاف متر، لتبدأ التفكير في استغلاله استخباراتيا.

استغرق إعداد العملية، التي حملت الاسم الرمزي «أزوريان»، نحو ست سنوات. وجندت وكالة الاستخبارات اسم الملياردير هوارد هيوز لتسويق مشروع سفينة «هيوز غلومار إكسبلورر»، التي صُممت لانتشال أجزاء من الغواصة باستخدام منظومة رفع ضخمة مخفية داخل هيكلها.

وفي صيف 1974، وصلت السفينة إلى موقع الحطام، بينما راقبتها سفن سوفيتية من دون أن تدرك حقيقة مهمتها. ونجحت عملية الرفع جزئيا، إذ انكسر جزء من منظومة الالتقاط خلال الصعود، فسقط القسم الأكبر من الغواصة إلى القاع، ولم يصل إلى السفينة سوى مقدمتها.

لكن المفاجأة الأكثر إنسانية كانت العثور على رفات ستة بحارة سوفييت داخل الجزء المنتشل. وفي سبتمبر 1974، أقام الطاقم الأمريكي مراسم دفن لهم في البحر بتشريفات عسكرية، ووثّقها بالفيديو، قبل أن يسلم التسجيل لاحقا إلى الرئيس الروسي بوريس يلتسين عام 1992.

ولم تقتصر أهمية «أزوريان» على كونها مغامرة هندسية واستخباراتية غير مسبوقة؛ فقد أسهمت القضية أيضًا في ظهور مصطلح «رد غلومار»، الذي تستخدمه الجهات الأمريكية عندما ترفض تأكيد وجود معلومات سرية أو نفيه.

تظل عملية «أزوريان» واحدة من أبرز عمليات التجسس خلال الحرب الباردة، لما انطوت عليه من تخطيط سري وتقنيات هندسية متقدمة ومخاطر استخباراتية كبيرة، فضلًا عن بعدها الإنساني الذي عكس جانبًا آخر من الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.