قبل أيام، كنت في طريقي إلى موعد، توقفت السيارة في ازدحام لم يستمر طويلاً، نظرت إلى الساعة أكثر من مرة، وشعرت بالضيق، مع أنني لم أكن متأخراً! سألت نفسي: لماذا أنا مستعجل؟ ثم انتبهت إلى أن الأمر لا يخصني وحدي. معظمنا أصبح مستعجلاً! نستعجل الطريق، والمصعد، والرد على الرسائل، وإنجاز العمل، وحتى الأشياء التي تحتاج بطبيعتها إلى وقت. متى أصبحنا مستعجلين إلى هذا الحد؟
منذ أن نستيقظ تبدأ العجلة؛ نمسك الهاتف، نقرأ الرسائل، نتابع الأخبار، ونفكر فيما علينا إنجازه. وإذا تأخرت السيارة دقائق تضايقنا، وإذا انتظرنا المصعد أخرجنا الهاتف، وإذا أرسلنا رسالة ولم يصل الرد سريعاً بدأنا نتساءل: لماذا لم يرد؟
الغريب أن التكنولوجيا جاءت لتوفر لنا الوقت. أشياء كانت تحتاج إلى يوم كامل أصبحت تنجز في دقائق، ومعاملات كانت تحتاج إلى الذهاب والانتظار أصبحت تتم من الهاتف. ومع ذلك، لم نشعر أن لدينا وقتاً أكثر. بالعكس، أصبحنا نردد دائماً: «ليس لدي وقت».
فأين ذهب الوقت؟
ربما لأننا كلما وفّرنا وقتاً ملأناه بشيء آخر، نريد أن نعمل، ونتابع الأخبار، ونرد على الرسائل، ونتصفح مواقع التواصل، وننجز معاملاتنا، ونخطط للغد، ونفعل أشياء كثيرة في اليوم نفسه. وفي النهاية نصل إلى المساء ونحن نشعر أن اليوم مرّ بسرعة. المشكلة أن الاستعجال لم يعد في الطريق والعمل فقط، بل دخل إلى تفاصيل حياتنا. نريد النجاح سريعاً، والربح سريعاً، والنتائج سريعاً. حتى العلاقات مع الناس أصبحنا أحياناً نستعجلها.
لكن هناك أشياء لا يمكن استعجالها مهما تطورت الحياة. الطفل يحتاج إلى سنوات حتى يكبر، والصداقة تحتاج إلى مواقف حتى تصبح حقيقية، والثقة تحتاج إلى وقت، والخبرة لا تأتي في أيام. والشجرة التي نزرعها اليوم لن تعطينا ظلها غداً. هذه هي الحياة ببساطة.
لست ضد السرعة، فهي نعمة كبيرة، ومن الجميل أن تنجز معاملتك في دقائق، وأن تصل إلى المعلومة في ثوانٍ، وأن تتحدث مع شخص في آخر العالم وكأنه يجلس إلى جوارك. لكن المشكلة أن نعتاد السرعة إلى درجة أننا لم نعد قادرين على الانتظار.
نحتاج أحياناً إلى أن نجلس مع أبنائنا دون أن ننظر إلى الهاتف، وأن نستمع إلى صديق حتى ينتهي من كلامه، وأن نشرب فنجان قهوة دون أن نفكر في الشيء التالي الذي علينا القيام به. وربما نحتاج أيضاً إلى أن نقف أمام المصعد دقيقتين دون أن نفعل شيئاً. منذ ذلك اليوم، عندما أجد نفسي مستعجلاً من دون سبب حقيقي، أحاول أن أتذكر سؤالاً بسيطاً: لماذا أنا مستعجل؟ فقد ننجح في الوصول إلى كل شيء بسرعة، ثم نكتشف أن السنوات نفسها مرت بسرعة أيضاً. فالحياة ليست فقط أن نصل، لكن أن نعيش ونحن في الطريق قبل أن نصل.