هندسة عقل المتطرف.. من تشكيل الإدراك إلى صناعة الإقصاء


أخطر ما يفعله التطرف بالإنسان ليس أن يضع في عقله فكرة متشددة أو منحلة، وإنما أن يعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها الحقيقة. فالمتطرف لا يولد بعقل إقصائي، ولا ينتقل إلى التشدد أو الانحلال في لحظة واحدة؛ تسبق ذلك عملية تراكمية تتغير خلالها علاقته بالدين والإنسان والوطن والمجتمع والأسرة وتجاه ذاته، حتى يصبح ما يراه محكوماً بعدسة فكرية تحدد له ما يصدق، وما يرفض، وكيف يفسر، ومن يقبل، ومن يقصي. ومن هنا أرى أن السؤال الأهم ليس: بماذا يفكر المتطرف؟ وإنما: كيف صُنعت الطريقة التي يفكر بها؟

هنا تبرز فكرة «هندسة عقل المتطرف»؛ وهي عملية يعاد من خلالها ترتيب علاقة الإنسان بالمعلومة والدلالة الذهنية والحقيقية، تبدأ بتوجيه مصادر المعرفة، ثم انتقاء ما يصل منها إلى العقل، وإعادة تفسير النصوص والأحداث، وصولاً إلى تشكيل الأحكام والمواقف. والخطورة أن الفرد قد يعتقد أنه يمارس تفكيراً مستقلاً، بينما يتحرك داخل حدود إدراكية رُسمت له مسبقاً.

وتبدأ هذه الهندسة من المصدر. فالجماعات الإرهابية والتيارات المتطرفة تدرك أن التحكم في بوابات المعرفة يسبق التأثير في المواقف؛ لذلك تبني دوائر مغلقة للثقة: رموز ومنابر ومصادر محددة تُمنح صدقية شبه مطلقة، يقابلها تشكيك منهجي في كل ما يأتي من خارجها. ومع الوقت، لا يعود السؤال: ماذا يقول الدليل؟ وإنما: من الذي قاله؟ وهنا تبدأ المعرفة في فقدان استقلالها، والعقل في فقدان قدرته على المقارنة.

ثم تأتي هندسة الانتقاء. فصناعة التطرف لا تحتاج دائماً إلى الكذب؛ أحياناً تكفي حقيقة ناقصة وُضعت في المكان المناسب. ينتقي الخطاب المتطرف من التاريخ واقعة، ومن النص جملة، ومن المشهد السياسي حدثاً، ومن خطأ فردي دليلاً، ثم يعيد جمعها في سردية تؤكد النتيجة التي يريد الوصول إليها. وهكذا يتحول التحيز التأكيدي من ميل نفسي قابل للمراجعة إلى منهج تفكير مغلق.

بعد ذلك تبدأ المرحلة الأخطر: هندسة التفسير. فالمعركة هنا ليست على امتلاك المعلومة، وإنما على امتلاك دلالتها. قد يكون النص صحيحاً والحدث واقعاً، لكن تأويلهما يجري بعيداً عن السياق؛ فيُنتزع النص الديني من مقاصده ومنظومته العلمية، وتُقرأ الواقعة التاريخية خارج ظروفها، ويُضخَّم الخلاف حتى يصبح صراعاً وجودياً. وأرى أن هذه من أخطر أدوات الخطاب المتطرف؛ فهو لا يحتاج دائماً إلى اختراع عالم آخر، يكفيه أن يعيد تفسير العالم القائم.

ومن التفسير نصل إلى هندسة الحكم. فما يتكرر في العقل يتحول تدريجياً إلى معيار للحكم على الآخرين: صورة ذهنية، ثم تصنيف، ثم حكم، وبعدها إقصاء، وقد يصل في الحالات الأكثر تطرفاً إلى تبرير الكراهية أو العنف. فالعنف لا يبدأ بالضرورة عند لحظة ارتكابه؛ وفي تقديري، قد تبدأ مقدماته حين أُعيد تعريف الآخر في الذهن من إنسان مختلف إلى خصم، ومن خصم إلى تهديد، ومن تهديد إلى عدو يستحق الإقصاء.

وبين الحكم والإقصاء تعمل آلية يمكن تسميتها «نزع التعقيد». فالواقع مركب والإنسان متعدد الأبعاد، بينما يميل العقل المتطرف إلى اختزال هذا التعقيد في تصنيفات حادة تتيح له إصدار أحكام قطعية على الأشخاص والأحداث؛ فيختزل الحياة في ثنائيات حادة: نحن وهم، معنا وضدنا، الحق والباطل. وكلما تقلصت المساحات التي تسمح بالفهم والمراجعة، أصبحت السيطرة على الأحكام أسهل؛ لأن المتطرف لا يفقد فقط القدرة على قبول الآخر، وإنما يفقد قبل ذلك القدرة على قراءته بعدل.

وفي العصر الرقمي ازدادت هندسة العقل تعقيداً. فأنظمة التوصية والخوارزميات تسهم في ترتيب المحتوى وفق اهتمامات الفرد وسلوكه السابق، ويمكن للخطابات المتطرفة استثمار هذه البيئة بتكثيف الرسائل المتشابهة وصناعة غرف الصدى، حتى ينشأ حصار إدراكي لا يلغي الرأي الآخر، وإنما يقلل حضوره في الوعي. ومع كثافة التكرار، قد يتحول انتشار الفكرة في وعي الفرد إلى وهمٍ بصدقيتها، فيختلط حضورها بصحتها، وكثرة تداولها بقوة الدليل عليها.

ومن هنا، فإن مواجهة التطرف ينبغي ألا تظل محصورة في ملاحقة المنتج الأخير للفكرة، وإنما أن تصل إلى المصنع الذي أنتجها. وهذا يقود إلى «هندسة المناعة الفكرية»؛ أي بناء عقل يمتلك أدواته في مواجهة الاختطاف: يتحقق من المصدر، ويقارن السرديات، ويفهم السياق، ويميز بين النص وتفسيره، وبين الحقيقة وتأطيرها الأيديولوجي، ويسأل عن الحقيقة الدقيقة قبل إصدار الحكم.

إن أخطر نجاح يحققه التطرف، ليس أن يقنع الإنسان بإجابة خاطئة، وإنما أن يصادر منه طريقة طرح السؤال. فإذا تحكم في مصادره وانتقائه وتفسيره ومعايير حكمه، أصبح قادراً على توجيه سلوكه.

ولهذا فالأمن الفكري، في معناه الأعمق، ليس صناعة عقول متشابهة، ولا عزل الإنسان عن الأفكار الأخرى، وإنما بناء عقل واعٍ يصون هويته ويصعب اختراقه؛ يسأل قبل أن يصدق، ويفهم قبل أن يحكم، ويتحقق قبل أن يتبنى، ويراجع قناعته بعدل وإنصاف. فهندسة التطرف تبدأ من السيطرة على بوابات الإدراك، أما هندسة المناعة الفكرية فتبدأ من تحصين العقل بأدوات الوعي والتفكير الناقد والتحليل الذكي؛ ليكون قادراً على حماية نفسه من الاختطاف الأيديولوجي. وحين يمتلك الإنسان هذه القدرة، يصبح أكثر حصانة في فكره، وعدلاً في حكمه، ووعياً بمسؤوليته تجاه وطنه ومجتمعه.