اعتدنا أن نقيس نجاح القائد بالمشروعات التي أنجزها والقرارات التي اتخذها والنتائج التي حققها، واليوم أضافت دبي معياراً آخر: قدرة المؤسسة على مواصلة الإنجاز بعده.. حين كرّم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، مروان بن غليطة، مدير عام بلدية دبي، بأول «وسام محمد بن راشد للقيادة»، كانت الرسالة تتجاوز تكريم مسؤول ناجح إلى تقدير قدرته على إعداد قيادات تستطيع تحمّل مسؤوليات المستقبل، والمفارقة الجميلة أن بن غليطة نفسه من خريجي برنامج محمد بن راشد لإعداد القادة، فالقائد الذي استثمرت دبي في إعداده قبل سنوات، تكرّمه اليوم على استثماره في إعداد غيره.
اختيار مديرها العام يمنح هذه الفكرة بعداً عملياً، فبلدية دبي تدير منظومة تمتد من التخطيط الحضري وسلامة الغذاء إلى البيئة والبنية التحتية والخدمات التي تمس حياة الملايين، هذا الاتساع يحتاج إلى قيادات قادرة على اتخاذ القرارات عبر تخصصات متعددة. في يوليو الماضي احتفلت البلدية بتخريج دفعة من برنامج «قيادات المستقبل»، بعد ستة أشهر جمعت بين التدريب والتطبيق العملي في إدارة الأزمات والمشروعات والتفكير المنظومي، وتظهر قيمة هذه البرامج حين تنتقل المعرفة من قاعات التدريب إلى المشاريع التطبيقية، ويكتسب المشاركون خبرة في التعامل مع التحديات الواقعية واتخاذ القرارات.
منذ تأسيس مركز محمد بن راشد لإعداد القادة عام 2003، تخرج في برامجه أكثر من 1300 قائد وقائدة، وصل بعضهم إلى مناصب وزارية وقيادية عليا، ويصنع هذا التراكم رصيداً بشرياً يمتد عبر مؤسسات وقطاعات مختلفة، ويسمح بانتقال الخبرة والمعرفة وأساليب الإدارة بين الأجيال، ومع مرور السنوات يصبح العائد من الاستثمار في الإنسان أوسع من المسار المهني لكل خريج، فكل قيادة تتولى مسؤولية جديدة تحمل معها القدرة على إعداد آخرين، وتتضاعف قيمة الاستثمار الأول مع كل جيل.
التحول الأهم الذي يحمله الوسام الجديد يتعلق بطريقة تقييم المديرين العموم، فقد شمل التقييم 32 جهة حكومية، وأكثر من مئة مقابلة مع المديرين العموم وقيادات الصف الثاني، بمشاركة عشرة مقيّمين محايدين، وركز على توزيع الصلاحيات وإشراك الكفاءات في القرار وإسناد الملفات الاستراتيجية إليها، وبذلك يتغير الحافز الإداري نفسه، إذ يصبح إعداد قيادات جديدة إنجازاً يُحسب للمدير، وتصبح قدرته على منح الآخرين الثقة والمسؤولية جزءاً من تقييم أدائه، وفي مؤسسات اعتادت أن تتركز القرارات فيها عند قمة الهرم، يمكن لمثل هذا المعيار أن يعيد توزيع المسؤولية ويمنح الكفاءات الواعدة فرصة اكتساب الخبرة قبل وصولها إلى المواقع العليا.
لهذا التحول قيمة تتجاوز إعداد الخلفاء للمناصب القيادية، فكلما اتسعت المؤسسة وتشابكت اختصاصاتها، ارتفعت كلفة انتظار القرار عند مكتب واحد، وأصبحت القدرة على توزيع المسؤوليات عاملاً مؤثراً في سرعة الاستجابة وجودة الخدمات. وفي مدينة تنمو بإيقاع دبي، وتتغير فيها احتياجات السكان والأعمال والتكنولوجيا باستمرار، تحتاج المؤسسات إلى فرق تستطيع التعامل مع ملفات متزامنة، واتخاذ قرارات تستند إلى رؤية مشتركة ومعرفة متخصصة، ويصبح إعداد الصفين الثاني والثالث استثماراً في كفاءة الحكومة نفسها، وفي قدرتها على مواصلة التطور مهما تغيرت القيادات والأجيال.
يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: «إن القائد الحقيقي شغفه اليومي بناء الفريق القيادي»، واليوم تتحول هذه الفلسفة إلى معيار رسمي يمنح على أساسه أرفع وسام قيادي في حكومة دبي، قد تظهر نتائج بعض المشروعات خلال أشهر، وتحتاج مشروعات أخرى إلى سنوات، أما نتائج إعداد القادة فتتضح عندما يتقدم جيل جديد إلى المسؤولية ويصبح قادراً على صنع قراراته الخاصة، وهنا تكمن القيمة الأبعد لتكريم اليوم: أن يصبح مستقبل المؤسسة أحد إنجازات قائدها الحاضر.
