سرقة أم استلاب؟

انتشر في الأيام الماضية، وتحديداً بعد انتهاء الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، خبر مفاده أن هناك روايات طرحها كتّابها في المعرض اتضح أنها من تأليف برنامج الذكاء الاصطناعي (شات جي بي تي)، وهنا كانت الفضيحة، والتساؤل الموجع: هل أصبح هؤلاء الكتّاب لا يملكون ما يقدمونه ولا يريدون بذل أي مجهود في الكتابة ولذلك يلجؤون لهذه البرامج؟ أم أن المسألة ليست أكثر من كسل ذهني واستلاب أمام إمكانات هذه البرامج؟

الحقيقة أن للأمر جذوراً بعيدة منطقية، ودعونا نتساءل: ماذا نسمي تخلي الإنسان عن كل جهد ذهني وعقلي في حفظ أرقام الهواتف، وإجراء أبسط العمليات الحسابية، والبحث في الكتب والمراجع عن معلومة أو إحصائية أو خبر.. إلخ، أليس هذا نوعاً من الاعتماد التام على إمكانات الإنترنت؟

لأنه يمكنه أن يوفر لك الوقت والجهد بأقل جهد وأسرع وقت، وإذن فلماذا نحفظ الأرقام طالما الهاتف يحفظها ويسترجعها لنا في طرفة عين أو أقل؟ وهل نسمي هذا غشاً ونصباً وتحايلاً؟

إننا نسمع يومياً هذا الخطاب المخيف أو عدد الروبوتات التي ستنتشر في العالم بعد عشر سنوات ربما، بحيث تصبح بالملايين، هذه الإحصاءات تقال على منصات مؤتمرات عالمية صباح مساء في ما يشبه البشارة للبشرية وللأجيال الحالية! وإذن لماذا أجتهد وأتعب وأؤلف، فها هو الروبوت أو الشات يستطيع ذلك، هذا ما يحاول الكثيرون إقناع أنفسهم به نتيجة تماهيهم مع خطاب يقال لهم أو يسمعونه يومياً، فضاعت عندهم الحواجز بين الإبداع والابتكار الإنساني وبين الأعمال الذهنية بشكل عام والتي يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها!

إن البشر لم يلغوا عقولهم دفعة واحدة، بل تنازلوا عنها تدريجياً، ليس احتيالاً (وإن كان الاحتيال في الإبداع أمراً وارداً)، وليس نصباً بالمعنى المباشر، بل كسل مريح يتقن الكثيرون التبرير له، لكن هؤلاء ودون أن يشعروا، يصبحون مستهلكين لأفكار غيرهم وسارقين لها بدل أن ينتجوا أفكارهم الخاصة، ظناً منهم أن هذا الشات هو منتج هذه النصوص أو الأفكار، إنه لص آخر، لكنه لص مقنن ومبرمج ومكفول من قبل شركات عابرة للقارات.