ها نحن نتابع ونشاهد بقلوبنا قبل أعيننا كيف تنهار المنظومات الكبرى لقيم الحضارة الإنسانية، كيف يسقط الإنسان في الدرك الأسفل من سلم التحضر والارتقاء، كيف ينحدر صوب بهيميته لا صوب بشريته فقط، وكيف يبرر لنفسه ارتكاب كافة الشرور والمفاسد التي خاضت أمم وشعوب حروباً ومعارك للخلاص منها ومحاربة أسبابها ورموزها؟!
نحن اليوم عالقون في لحظة تاريخية فاصلة بين نهاية الحضارة وبداية زمن ما بعد الحضارة الذي لطالما بشرت به أفلام الديستوبيا السوداء الأمريكية، لقد وصلنا للمدن الفاسدة التي صورتها تلك الأفلام، حيث العودة لمرحلة ما قبل البناء والتحضر والعلم والقيم والتمدن، وصلنا وإن لم يكن مادياً، ولكن بما نراه من انهيارات أخلافية، أوصلتنا لإعادة قراءة المشهد والواقع والمعنى، فماذا بعد كل ما نراه ونسمعه ونعانيه؟
نحن لسنا أمام مفترق طرق، وإنما أمام نهاية طريق، جميع السالكين فيه يتساءلون: لماذا وصلنا إلى هنا؟ ولماذا كان كل ذلك النضال الإنساني والقوانين والشرائع والدساتير؟ لماذا كانت كل تلك الحروب والثورات؟ ألم تكن لأجل الحرية والحق والفضيلة وكرامة الإنسان؟
لماذا قدمت الإنسانية كل أولئك الملايين من البشر في الحروب العالمية؟ ألم يكن ذلك لإيقاف تدهور انحدار الحضارة وإيقاف حقبة الاستعمارات والحروب والإبادات الوحشية؟
ألم يكن استشهاد ملايين الضحايا ومليارات الخسائر المادية في المدن والبنى التحتية من أجل أن يعم السلام والأمن الدوليان، ولأجل عصر تسود فيه أخلاق الإنسان لا شريعة الشيطان؟ فماذا حدث وإلامَ وصلنا؟
لقد صار الناس يتساءلون عن معنى الإنسانية والقيم؟ وفيما إذا كان الإنسان محتاجاً لمنظومة القيم هذه أم أنه يمكنه إلغاؤها والمضي قدماً دون الاستعانة بها؟ فكيف نتصور العيش والحياة دون ضوابط وأخلاق تكبح الحيوان أو الوحش الرابض في داخل البشري منا؟ يبدو الأمر مرعباً جداً بحيث لن يغامر أحد بالسماح لذلك الوحش بأن يجرب، مجرد تجربة الخروج!
فهل حدث هذا التدهور القيمي أو اكتشفناه ووقفنا في مواجهته بعدما كشفته ملفات إبستين الفاضحة؟ أم أن إبستين ليس سوى يد موجهة رفعت الغطاء لا أكثر!