«في نهاية المطاف»!

أحب أن أقرأ لكتّاب الأعمدة في الصحف الأخرى، فالعمود الصحفي كان ولا يزال واحداً من أهم وأصعب وأجمل الفنون الصحفية وأكثرها قرباً من القراء وتشابكاً مع الحياة والواقع، لأنه يستمد لغته وموضوعاته من هذه اليوميات والأفكار التي تدور في المحيط الإنساني العادي والعام.

والعمود لا يكتب بروح واحدة أو فكر محدد، فقد يكتب بروح السخرية والمرح، وقد يكتب بطريقة جادة أو حزينة أو مثيرة للأسئلة، ويتناول اليوميات والعبثيات المعتادة، كما قد يطرح أسئلة الحياة والوجود.

لكن معظم الأعمدة في نهاية المطاف تحظى بمقبولية ومقروئية عالية من قبل القراء، لأنها غالباً ما تكتب بلغة الصحافة السهلة التي في متناول الجميع، ولذلك كان القراء في سنوات ازدهار الصحف يرتبطون بها ويلتزمون قراءتها لأجل أعمدة أو كتّاب بأعينهم!

وكما أتابع الكثير من أعمدة الزملاء في الصحف العربية، أحب كثيراً أن أتعرف على النساء اللواتي يكتبن المقالات اليومية ومن كل الثقافات، لأن المرأة التي تقرر أن تكتب مقالاً يومياً - من وجهة نظري - تعتبر امرأة شجاعة وذكية وقلقة بالفطرة.

كما تمتلك حساً إنسانياً عالياً، وهي بلا شك امرأة مشتبكة مع الحياة والوجود لا متفرجة عليهما، امرأة خبرت جوانب عدة من التجربة الإنسانية لتتمكن من الكتابة بصدق وعمق، وخرجت منها بالخلاصات الضرورية دون أي استعراضات درامية أو سوداوية!

الكاتبة الأمريكية، إيرما بومبيك، واحدة من هؤلاء الكتّاب الذين يستحقون أن يطّلع أي كاتب أو قارئ على تجربتها، وعلى رؤيتها للحياة، إيرما من كتّاب الأعمدة الساخرة التي كتبت عموداً صحفياً ساخراً بدأ في الستينيات بعنوان «في نهاية المطاف»، فانتشر في مئات الصحف داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ولدت عام 1927 وتوفيت عام 1996، وقد وثّقت من خلال أعمدتها التي بلغت 4000 مقال خلال ثلاثين عاماً، وبحس السخرية الذي امتلكته، تفاصيل الحياة اليومية لربات البيوت والعائلات في الضواحي الأمريكية.

ما حقق لها تلك الشهرة ذائعة الصيت تلك الخفة والذكاء اللذان تناولت بهما أعباء الأمومة وأشباحها، وفوضى البيت والعلاقات الزوجية وضغوط المجتمع على المرأة.

يقول كولن ويلسون: «الكتابة ليست أن نعرف كيف نكتب، ولكن أن يكون لدينا ما نقوله من خلال الكتابة».