الأدب والحياة

هناك ستة أعمال روائية ضمن القائمة القصيرة مرشحة للجائزة العالمية للرواية العربية، واحدة فقط ستكون الرواية الفائزة بالجائزة، ومن ضمن هذه الأعمال هناك عمل متقن وأصيل ويلامس الوجدان الإنساني بلغة شاعرية وتقنيات سرد هادئة وهادرة في الوقت نفسه، إنها رواية «غيبة مي» للروائية اللبنانية نجوى بركات، التي تتناول فكرة الشيخوخة وتشظي الذاكرة وتشوشها بالنسبة لامرأة وحيدة تعيش تحت وطأة سنواتها الـ84 في بيروت، المدينة التي أصبحت تتشكى كذاكرة امرأة عجوز، وتتساقط وتفقد أجزاءها شيئاً فشيئاً تحت ضغوطات أزمنة الحروب والصراعات وهجرة الناس والإهمال.

هذه الرواية في الحقيقة تستحق أن تنال الجائزة بجدارة؛ لأسباب أفاض النقاد والقراء في ذكرها، لكنني أرى أن أصالتها في التطرق لموضوع حساس وفي غاية الأهمية بالنسبة لجيل واسع من سكان المدن العربية (بيروت تحديداً)، الذين عاشوا أغلب سنوات حياتهم في ظل حروب وصراعات متكررة ومتواترة كأنها قدر، هذا الجيل الذي يمشي اليوم باتجاه نهايته دون أن يحظى بفرصة حياة آمنة يستحقها يحتاج إلى التفاتة حازمة، التفاتة حقيقية تنقذه من أن يتحول إلى مجنون مقبوض عليه بتهمة الخرف ليودع في مصحة عقلية كما حدث لمي!

إن هذه المدن التي نجحت في أن تصادر ذاكرة أبنائها، وفشلت في أن تقدم لهم في المقابل ما يحميهم من مآلات فقدان الذاكرة في هذا العمر، تحتاج لمن يوقظها ويهزها بعنف لتنتبه وتعيد حساباتها في علاقتها بالإنسان. و«غيبة مي» رواية تهز وجدان المدينة لترى نفسها وتاريخها وحقيقتها من خلال هؤلاء الكبار.

ومثل «غيبة مي» هناك أعمال أدبية عدة وضعت الأصبع على هذا الخلل المتمثل في وجود شريحة كبيرة من الكبار الذين يكبرون وتتساقط ذاكرتهم وهم في طريقهم لنهاية العمر، مثل: (أيام زائدة لحسن داوود - حارث المياه لهدى بركات - شريد المنازل لجبور الدويهي - الخطايا الصغيرة لحنان الشيخ...)، الذين تحدثوا عن كبار يفقدون ذاكرتهم، بينما هم محاطون بالوحدة وصور ماضٍ ولّى ولا سبيل لاستعادته، وأشباح مدينة ترشح بذاكرة معتلة وأحداث قاتمة.

لقد تصدى الأدبان الغربي والعربي لهذا الموضوع الحساس عبر الكثير من الروايات، وأظن أن رواية «غيبة مي» تعيد التذكير بضرورته، وجعله على قائمة السياسات الإنسانية التنموية في المدن العربية.