القوة والحرية

كلما ازدادت المرأة نضجاً سيطر وعيها على حركتها وتوجهاتها واختياراتها في الحياة، ثم بهذا الوعي تصبح قادرة على تحديد موقعها في الحياة والعلاقات مع الآخرين. هذه المواقع، قوةً وتواضعاً، بعداً أو قرباً، تصبح بوعي العمر والنضج، قادرة على تحديدها والتمسك بها، وبمنتهى الوضوح ودون أن تضطر للخضوع لإملاءات الآخر الأقل منها وعياً ونضجاً ومعرفة وقوة. وهذا بالضبط ما يجعلها قوية في قلوب الآخرين وواثقة في نظر نفسها.

ليس المنصب ولا المال ولا الزينة الفجة ولا المظاهر المغرقة في الابتذال والتصنع والمبالغة، ولا المنصب ولا التقرب من الأقوياء، يمكنها منحها القوة، القوة في داخلنا وفي أرواحنا، ولا يمكن أن يهب الروح قوة إلا خالقها وصاحبها، ولا يمكن لأحد أن يملأ الداخل إلا من يملك هذا الداخل، المرأة نفسها.

هذه الفكرة تحديداً جعلت السينما تعيد النظر في الصورة النمطية التي قدمتها للمرأة طيلة عقود طويلة، فجاءت أفلام الموجة الجديدة فيما يخص شخصية المرأة القوية المتسلطة، لتقدمها بشكل أكثر إنسانية وأقل أسطورية، فمثلاً في الجزء الأول من فيلم (الشيطان يرتدي برادا) كانت ميراندا أشبه بآلة كاملة للسيطرة، أما في الجزء الثاني، فهي امرأة تدرك هشاشة السلطة نفسها. وهذا الإدراك لا يضعفها، بل يمنحها نوعاً أعمق من القوة: قوة الوعي.

كأن ميريل ستريب تقول إن المرأة القوية ليست تلك التي لا تنكسر، بل التي لا تسمح لانكساراتها بأن تحدد قيمتها. والأهم أنها ربطت القوة بالحرية لا بالسيطرة، في حديث تلفزيوني مثير للإعجاب، فالمرأة التي تعتمد قوتها على إعجاب الآخرين أو خوفهم، تبقى سجينة نظرتهم إليها، أما المرأة الحرة فهي التي تستمد معناها من الداخل، من استقلالها النفسي، وقدرتها على الاختيار، ومن رفضها أن تُختزل في دور أو صورة أو وظيفة، لهذا بدت الشخصية في نسختها الجديدة أقل صخباً وأكثر عمقاً، وهذا تحوّل مهم جداً في صورة المرأة القوية في السينما. لفترة طويلة، كانت هوليوود تربط القوة النسائية بتقمص صفات القوة الذكورية التقليدية، لكن ستريب دفعت الشخصية نحو تعريف أكثر نضجاً، أن تكون المرأة قوية لا يعني أن تصبح نسخة قاسية من الرجل، لهذا يبدو الأداء الأخير لميريل ستريب أقل بهرجة وأكثر حكمة، كأنه انتقال من «قوة النفوذ» إلى «قوة الروح».