كتبت صديقة حول موضوع الاعتياد، وكيف يحولنا أو يحول كل ما نقوم به إلى سلوكيات وأفعال أو ردات أفعال خالية من المضمون، حيث صار الناس يمرون باللحظات الجميلة كالعيد مثلاً مروراً بارداً، بلا تفاعل أو فرح حقيقي، حتى إنهم يكررون الأفعال والكلمات والتحايا نفسها! متسائلة عن السبب في وصول الناس لهذه الحالة.
والحق فإن فعل الزمن فينا وفيما حولنا من أكثر الظواهر التي أتأملها وأقرأ فيها، فهذا التأثير الهائل للزمن وسطوته التي لا تجادل، أمر لا يجب المرور عليه مرور الكرام أو تجاهل أثره الذي يحفر في أساسات كل بناء مادي ونفسي في الكون كله، إيذاناً بلحظة الفناء القادمة بلا شك.
إن الأعياد وباقي المناسبات عظيمها وبسيطها، وكل ما ينتمي للعادات والتقاليد والأعراف والطقوس الاجتماعية إنما تستمد قوتها وديمومتها من كونها لا تعيش فقط في القوانين أو الكتب، بل في النفوس والذاكرة الجماعية، وهي ليست مجرد مظاهر أو استجابة لأوامر، وإنما تمثل حاجة إنسانية عميقة لدى الأفراد والجماعات إلى الانتماء والتميز وسبر أغوار المعنى. إنها أشبه بنهر خفي يجري تحت المجتمع؛ قد يتبدل سطح الحياة، لكن ذلك النهر يظل يغذي الناس بطريقة غير مرئية، فيشدهم ويقربهم لبعضهم البعض مهما تباعدت بينهم المسافات!
وإن التكرار عبر الزمن واحد مما يحفظ صلاحية مياه هذا النهر، باعتبار أن كل ما يجري صالح، وكل ما يتكرر يتحول إلى «طبيعي». الأجيال تنشأ وهي ترى طقساً أو عادة معينة بوصفها جزءاً من بنية عالمها وعالم أهلها، فتنتمي إليه وتأخذ في تكراره والقيام بطقوسه، ومن هنا تكتسب العادات نوعاً من الهالة وبداهة الحضور.
لكن الذين لا يتأملون فيما حولهم ولا يُعملون عقولهم فيها، ولا يتعاملون معها بمنطلق الانتماء والحاجة والحفظ، سينتهي بهم الأمر إلى نقدها ونقضها ونبذها والمطالبة بالخلاص منها، وذلك بتفكيك بناءاتها والقول بعدم ضرورتها وعدم تماشيها مع الزمن، معتبرين أن منتجات الزمن من تقنيات ووسائل اتصال ومواصلات ورفاهية، تكفي لإقامة بناءات وعلاقات اجتماعية متينة.
إن هذا الشعور بعدم الانتماء وعدم الحاجة العاطفية للعادات يمكن أن يشكل مدخلاً لهدم الكثير مما يميز أي أمة أو مجتمع أو يضمن بقاءه مترابطاً.