إعادة اكتشاف الهوية 1-2

استمعت للإعلامي السعودي داود الشريان، خلال لقاء تلفزيوني، وهو يتحدث عن العودة للجذور في المجتمع السعودي عبر استعادة الذاكرة الجمعية السعودية للكثير من عادات الأجداد التي اندثرت منذ سنين، تحدث عن بعض العادات التي استعادتها بعض أحياء الرياض مع عودة السعوديين من منطقة الزبير، الذين كما قال «فتحوا الصندوق الأسود للذاكرة»، وأحيوا بعض ما اندثر منذ 400 سنة.

كان حديث الشريان صريحاً وشيقاً وفي غاية الأهمية، بل ويفتح نافذة واسعة على إشكاليات الهوية والعودة للجذور، وخاصة في المجتمعات الخليجية، التي يبدو أن روافع العولمة في شقها الاجتماعي والثقافي لم تنجح في زحزحتها عن هويتها العربية المحافظة.

وبلا شك فإن ظاهرة عودة الشعوب لجذورها ومطالباتها بالحفاظ والتمسك بخصوصيتها لم تعد تخص المجتمعات العربية فقط، (فحتى النرويجيين في مباريات كأس العالم كانوا يشجعون منتخب بلادهم على طريقة أسلافهم الفايكنج)، يحدث ذلك بعدما هجرت الكثير من الشعوب شخصيتها وخصوصيتها الثقافية تحت ذريعة الانفتاح والحداثة، إلا أن عودة جارفة للجذور تبدو اليوم أشبه بموجة أو إعصار يجتاح العالم.

هذه الظاهرة إذن ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون من أهم التحولات الثقافية في العالم خلال العقدين الأخيرين، فبعد قرنين تقريباً من الرهان على العولمة والحداثة بوصفهما طريقاً لإذابة الفوارق الثقافية، بدأنا نشهد حركة معاكسة يمكن تسميتها «العودة إلى الجذور»، أو «إعادة اكتشاف الهوية المحلية»، بما لها من قوة وألق، واستعادة للمعنى الحقيقي للانتماء والعلاقات المتجذرة بالأرض والتاريخ والعائلة، إضافة لإعادة التموضع وسط هذا العالم الواسع.

هناك أسباب لهذه العودة حددها علماء السلوك والأنثروبولوجيا، لعل أهمها من وجهة نظري أن العولمة قد أنتجت شعوراً بين البشر في كل مكان بالتشابه وفقدان التميز، ففي التسعينيات وبداية الألفية بدا الناس وكأنهم يتجهون إلى ثقافة واحدة، يلبسون الملابس نفسها (الجينز والقمصان نساء ورجالاً)، يسمعون الموسيقى نفسها، ويترددون على المطاعم ذاتها، بل ويتحدث غالبيتهم باللغة الإنجليزية، بينما الإنسان في أساس طبيعته يريد أن يشعر بأنه ينتمي إلى أمة وتاريخ وقصة مختلفة عن قصص الآخرين، من هذه الفكرة بزغ السؤال: من نحن قبل أن نصبح نسخة من هذا العالم؟