إعادة اكتشاف الهوية "2-2"

«العودة إلى الجذور» أو «إعادة اكتشاف الهوية المحلية» الذي تحدثت عنه في المقالات السابقة، ليس مجرد موضوع عادي للكتابة وسد الفراغ، وهو ليس اختياراً عشوائياً في هذه المرحلة، فكل المؤشرات المحيطة بنا، وكل الأحداث التي تعصف بالمنطقة وكل التطلعات والأوهام التي تملأ رؤوس الكثيرين الذين يحلمون ويخططون لإعادة برمجة البشر، ورسم الخرائط، ولخبطة البشر في الجغرافيا لتمييع فكرة التجذر والانتماء والهوية، كلها أصبحت واضحة ويقاتل أصحابها بشراسة أحياناً وبطرق دبلوماسية ناعمة أحياناً أخرى، للوصول إلى أهدافهم الخبيثة، هذه الأهداف التي لم ولن تتحطم إلا على صخرة الواقع، واقع الإنسان المؤمن بهويته والمتمسك بجذوره وغير القابل للذوبان في اللغات الأخرى والملابس الأخرى والعادات والتقاليد والفنون والمشاعر التي تخص أقواماً آخرين!

إضافة لهذه الحروب الصغيرة والكبيرة، الخفية والمعلنة، الناجحة والفاشلة والقصيرة المدى والطويلة النفس، والتي تعتبر أحد أسباب العودة القوية للجذور وإعادة اكتشاف مخزون الهويات الثقافية لشعوب المنطقة، فإن هناك أسباب أخرى بدأنا بأولها في المقال السابق، أما ثاني هذه الدوافع فهو أن خصوصية الهوية تمنح الإنسان المعنى الواضح في مواجهة المعاني السائلة وغير المحددة في عالم سريع التغير، ذلك أنه كلما زادت سرعة تحولات العالم، ازداد احتياج الإنسان إلى نقطة ثابتة ومرجع محدد وعميق يؤمن به ويتمسك، وفي هذا الأمر يتشابه المصري والأيرلندي والإماراتي والياباني والمغربي والنرويجي و... إلخ.

أما المفارقة فتكمن في دور وسائل التواصل التي أريد لها أن تعمل على إذابة الفوارق ودمج الشعوب، إلا أنها ساعدت على إحياء الهويات من حيث لا يتوقع أحد!

فالأداة التي كان يُعتقد أنها ستوحد العالم أصبحت تساعد على إبراز الاختلاف، حيث يستطيع أي فرد أو جماعة أو منظومة أن تنشر رقصاتها الشعبية، مميزات وإمكانيات مطبخها وخصوصية أطعمتها، لهجاتها، فنونها، موسيقاها، ملابسها، جغرافيتها وتاريخها... إلخ، محولين هذه العناصر إلى مصدر للفخر وجمع الشتات والمطالبة بالتفرد.