في اللغة كما في كل شؤون الحياة، يوجد الكثير من الالتباسات وسوء الفهم في النظر إلى ما يحدث وفي إطلاق الأحكام الخاطئة البعيدة تماماً عن الحقيقة، فمثلاً: الاعتقاد بأن مواقع وتطبيقات كإنستغرام وفيس بوك وتيكتوك.. وغيرها، إنما وجدت لغاية التواصل بين الناس (هل هي فعلاً وسائل تواصل؟)، والقول إن هذه التقنيات، وأهمها الهواتف الذكية، هي التي باعدت بين الناس وأثرت على رغبة التواصل والعلاقات الإنسانية، كل هذا من قبيل القول المفرط في حدته ونظرته للتقنية والتواصل بشكل عام.
كذلك هذه الأحكام أو الاستنتاجات المتداولة: مواقع التواصل تثير الكراهية بين الشعوب، مواقع التواصل تتسبب في انتشار الأمراض والحالات النفسية، كالتوحد والشعور بالاغتراب والوحدة، وفي كثير من الأحيان تتسبب في نمو التطرف والإدمان، وقد تقود للجريمة.
إن هذه الاستنتاجات أو هذا الربط بين وسائل ومواقع التواصل والتقنيات الحديثة وتأثيرها على الجانب النفسي والأخلاقي فيه الكثير من المبالغة والقصور كذلك، لأن تحول شخص ما إلى إنسان متطرف أو ملحد أو مجرم، لا يمكن أن يحدث بسبب عامل واحد، وإهمال عشرات العوامل الأخرى المحيطة مثل: الأسرة، الوالدين، الظروف الاقتصادية، ظروف ومشاكل التنشئة والطفولة، الأصدقاء، نمط التربية، التعليم،... إلخ!
معروف أن الإنسان كائن معقد ومتعدد الطبقات والاحتياجات، يستقبل عقله آلاف التعليمات والصور والأوامر والعواطف المتعارضة أحياناً والقاسية أحياناً.
كما يتعرض لمواقف ويدخل في دوائر متباينة من العلاقات، ويتعامل مع بشر يمثلون أنماطاً أخلاقية وعاطفية مختلفة، كل هذا يصب في تكوينه ويؤثر فيه حتماً، أما مواقع ووسائل التواصل فأحد هذه العوامل وليست كلها، لذلك لا يجوز الرهان على عامل واحد عند البحث عن الأسباب والحلول، فحصر المشكلة في عامل واحد ليس سوى اختيار الحل الأسهل، تهرباً من المواجهات الصعبة.
يذكر هذا بالمثل القائل (المال يغير النفوس)، أي أن الناس إذا أصابهم الغنى المفاجئ أو وصلوا لمناصب عالية تغيروا وتبدلت تصرفاتهم وأفكارهم، والحقيقة هي أن المال والمنصب لا يغيران أحداً، لكنهما يكشفان الحقيقة المختبئة خلف الفقر والعوز وقلة الحيلة، لا أكثر ولا أقل!