واحدة من الصفات التي يبدو أنها تلاشت بعض الشيء من واقعنا هي صفة الرومانسية، التي تطلق على الشخص الحالم الذي يتخيل الحياة أكثر مما يعيشها، وهذه الصفة تلتصق عادة ببعض الشباب فترة المراهقة وسنوات الشباب المبكرة، الذين يدمنون قراءة القصص والروايات الرومانسية المستمدة حكاياتها من العصر الرومانتيكي وعصور الفرسان والنبلاء.

إضافة إلى أنها حالة انتشرت في مجتمعاتنا سنوات الستينيات وما قبلها، بسبب بساطة الحياة ونوعية الأفلام السينمائية وتراث الغناء العاطفي الرومانسي الذي كرسته أصوات مثل عبدالحليم حافظ وأم كلثوم وفريد الأطرش وغيرهم.

ظواهر ومظاهر من كل ما سبق بدأت في التلاشي والاضمحلال، الغناء العاطفي الرومانسي أصبح كما نراه في حالة يرثى لها، وكذلك الأفلام والروايات، وكأن الحياة أصبحت من القسوة أو السرعة أو الجدية بحيث ما عادت تحتمل تلك المسحة الحالمة البريئة البسيطة التي تميز الشخصية الحالمة!

تلك الشخصية التي يسميها دوستويفسكي في روايته «الليالي البيضاء» بـ«الحالم»، ففي هذه الرواية تعتبر هذه الشخصية ليست مجرد شخص كثير الخيال، إنه شخص في أعماقه يعيش حياة ذهنية أوسع من حياته الواقعية.

والأدق أن نقول إنه إنسان انسحب تدريجياً من الحياة إلى عالم صنعه في خياله، وصار يراقب الحياة بدل أن يشارك فيها، يمشي في الشوارع، يعرف الوجوه والأماكن، لكنه يبقى خارج العلاقات الحقيقية والتفاعل الحقيقي مع الناس والظروف، وكأنه لا علاقة له بأي شيء!

إنه يعوّض نقص الواقع بالخيال، فحين لا يجد أصدقاء أو حباً أو عاطفة تملأ حياته أو مغامرات حقيقية، يصنع نسخاً متخيلة مما يريده ويعيشه في ذهنه، أي أنه يعيش احتمالات الحياة أكثر مما يعيش الحياة نفسها.

يتخيل أنه أحب، وأنه محبوب، وأن له أصدقاء، وأنه حقق أحلاماً، من دون أن تتحول هذه الاحتمالات إلى أفعال، لذلك هو وحيد أو يعاني وحدة شديدة، لكنه في الوقت نفسه يبتعد عن الجميع ويسهم في بناء عزلته.
ولذلك يقول دوستويفسكي بشيء من القسوة: إن الحالم ليس ضحية العالم بالكامل؛ إنه من يصنع سجنه بنفسه!