الملل والسأم!

هل تظن أن الملل هو نفسه السأم؟ إذن لماذا جعل الكاتب الإيطالي ألبيرتو مورافيا مصطلح «السأم» عنواناً لروايته؟ الحقيقة لأن ما يمر به بطل الرواية هو حالة من السأم الوجودي العميق وليس الملل العابر أو المؤقت الذي يمكن أن يزول بزوال السبب، كأن يمل أحدنا من كتاب يقرؤه فيستبدله بآخر أكثر تشويقاً، أو يشعر بالملل من تمضية الوقت في مكان ما بصحبة أشخاص معينين، وحين يغيّر المكان أو الأشخاص يزول الشعور بالملل أو تقل حدته!

يبدو الاختلاف بين الملل والسأم دقيقاً جداً، لكن الخلط في استخدام الكلمتين باعتبار أنهما تعطيان المعنى نفسه أمر وارد عند كثير من الكتَّاب، والحقيقة ليست كذلك، ولهذا تنبهت إلى عنوان رواية مورافيا، وحين قرأت جزءاً منها، تبين الفرق بوضوح، فـ«السأم» يحمل دلالة محددة أرادها الكاتب على وجه الدقة، وليس اختيار مترجم.

يرتبط الملل بنفاد اهتمامنا بشيء ما (كتاب، مكان، فيلم، شخص..) أو بشعورنا بأن الوقت لم يعد يحمل لنا ما يكفي من الإثارة أو البهجة أو المعنى، وغالباً ما يلعب الطقس والحالة الصحية والنفسية والعاطفية كذلك دوراً في مضاعفتها، لأن الطقس الحار يجعلنا نافدي الصبر مع فقدان اهتمامنا بأشياء كثيرة كانت تبعث فينا البهجة فيما سبق، وهو حالة مؤقتة سرعان ما تزول بزوال أسبابها.

أما السأم فشعور ثقيل شديد الوطأة على النفس، وهو عميق يمتد في النفس لفترات طويلة. لذلك عندما يشعر الإنسان بضيق ملازم يسيطر عليه طيلة الوقت، تتحول الأشياء والأوقات التي كانت تسعده والأشخاص الذين كانوا يشكلون مصدر ألفة له إلى عكس ذلك تماماً، فلا شيء قادر على إسعاده أبداً! أمثال هؤلاء واقعون في السأم وليس في الملل، بسبب رتابة حياتهم وفقدانهم المعنى الحقيقي والعميق للوجود والغاية من الحياة.

يذكّرنا هؤلاء بكثيرين يفقدون بشكل مباغت شعورهم بألفة الحياة والرضا والطمأنينة، ما يدفعهم للدخول في متاهات نفسية يبحثون من خلالها عن إجابات لأسئلة قد لا يجدون إجاباتها، فيتخبطون وقد يضيعون تماماً كما حدث مع بطل نجيب محفوظ في روايته «الشحاذ»، وكما حدث مع «دينو» بطل رواية «السأم» لمورافيا!