أتساءل أحياناً من واقع علاقاتي الاجتماعية وملاحظاتي حول الموظفين الذين دخلوا ما يُعرف بمرحلة (الحياة ما بعد التقاعد): ماذا يمكن لشخص عاش طوال حياته موظفاً أو شخصاً مسؤولاً عن عمل معين، ثم - خلال يوم وليلة - يجد نفسه، باختياره أو مكرهاً، بسبب قوانين العمل، خارج معادلة العمل والمؤسسة والدوام وروتينه الصباحي المعتاد! فماذا يمكن أن يفعل، أو ما البدائل المتاحة له أو التي جهزها لهذه المرحلة من عمره؟
هذا أولاً، أما السؤال الثاني: ما المشاعر التي يعيشها هذا الشخص خلال الفترة الأولى من الحياة الجديدة؟ ما أفكاره عن نفسه ودوره وعلاقاته بمن حوله والطريقة التي سيقضي بها الأيام المقبلة؟
سنوات ما بعد التقاعد، هل هي حياة جديدة فعلاً؟ نعم بكل تأكيد، والجديد ليس في تغيير صفته الوظيفية، ولا لأنه سيغير عنوانه وبيته وسيارته، ليس هذا هو التغيير الذي سيطرأ على المتقاعد.
ولكن الطريقة والعقلية التي سيتعامل بها مع وضعه كشخص بلا عمل، بلا مهام محددة، بلا روتين معروف ومجدول، بلا زملاء وارتباطات وسفرات وتنقلات مرتبطة بالعمل، كيف ستكون مشاعره وأحاسيسه وهو يستقبل يومه بلا برنامج وأهداف محددة؟ بلا عمل يمنحه أهمية قصوى لأن مصالح الناس متوقفة عليه! الآن انتهى كل هذا! وعليه مواجهة حياة خالية من كل تلك الاعتبارات!
ما الذي يمكن أن يجعل هذه الأسئلة بلا ضرورة؟ عندما يكون الشخص قد استعد بالفعل للمرحلة الجديدة ووضع البدائل التي سيقضي بها وقته ويسير بها حياته وعلاقاته، أما بدون ذلك فسيجد نفسه يسقط في حالة من الملل والشعور بالفراغ وعدم الجدوى وربما الندم على اتخاذه قرار التقاعد (خاصة الذين يتقاعدون مبكراً)!
إن جوهر المسألة هو أن الشعور بعدم التأقلم مع الحياة بعد التقاعد (عند البعض) لا ينتج غالباً من فقدان العمل بوصفه مصدراً للدخل فقط، بل من فقدان البناء الكامل والأهمية والمعنى الذي كان العمل يمنحه لحياة الموظف الذي لا يترك المكتب أو المؤسسة فقط عندما يتقاعد، بل يترك وراءه نظاماً كاملاً كان يقول له كل يوم: من أنت؟ ماذا تفعل اليوم، ولماذا أنت مهم للعمل والمجتمع؟ بعد التقاعد لا شيء من ذلك!