معروف أنه في المناخات الصحراوية المتطرفة في مستويات الحرارة، غالباً ما يسيطر فصلان فقط يحتلان أيام وشهور السنة بأكملها: الصيف والشتاء فقط، لذلك غالباً ما يفقد سكان هذه المناخات طقوس الخريف وجماليات الربيع التي أفرزت عبر التاريخ الإنساني أعياداً ومناسبات، ملابس وأطعمة، طقوساً من المعاملات، أسواقاً وتجمعات، أدباً وشعراً وقصص حب وشجاعة، رموزاً وعادات وتقاليد.. لا يعرفها سكان الصحارى الحارة أو الباردة، كما في صحراء سيبيريا الشاسعة مثلاً!
محظوظون أولئك الذين قضوا أعمارهم يتفرجون على الحياة وهي تغير ألوانها مبتهجة بين عواصف الشتاء وتقلباته وبين موجات الحرارة وانحسارها، ورغم تطرف الطبيعة وقسوتها إلا أن ذلك سرعان ما يتقهقر فتخفت أصوات الأعاصير والعواصف، مفسحة الأرض كلها للأزهار وهي تتفتح والأنهار وهي تجري والأشجار وهي تستعيد اخضرارها وبهاءها، أما حين تتوارى الشمس اللاهبة وتتراجع الحرارة وتدخل الطبيعة في حالة حالمة من التقاط الأنفاس والخلود للراحة، فتنساب ألوان الخريف وتتساقط أوراقه الصفراء، ابتداء أيامه في الشهر التاسع أو شهر أيلول كما غنته السيدة فيروز «ورقو الأصفر شهر أيلول تحت الشبابيك..».
الوجه الحزين يذكّر بالخريف، والوجه الأليف يذكر به كذلك، هكذا غنت فيروز أيضاً «وجهك أليف، بيذكر بالخريف»، الخريف موسم للشجن والصمت، وقد اختاره ماركيز ليكون عنواناً لإحدى رواياته «خريف البطريرك»، لأن الخريف موسم أفول العنفوان.
المواسم مزاجات والناس غالباً يميلون للفصل الذي يشبه مزاجهم. وبين خفوت الحر وبزوغ موسم آخر، تتغير رغبة الإنسان في الخروج، وفي الطعام، وفي الملابس، وفي السفر، وحتى في الكلام والاختلاط بالآخرين. هناك أناس يوقظهم الصيف، يحبون الضوء الطويل، والبحر، والنهارات الممتدة، والضجيج والحركة. وهناك من لا يشعر بأنه عاد إلى نفسه إلا حين تقصر الأيام وتبرد النوافذ ويصبح للمساء معنى آخر.
الإنسان له مواسمه كالمناخ والمدينة، له ربيع يظن فيه أن الأشياء كلها تبدأ من أجله، وصيف يمتلئ فيه بالقوة والاندفاع، وخريف يبدأ فيه بفهم معنى الخسارات، وشتاء يجلس خلاله طويلاً إلى نفسه، لكن الفارق الجميل بيننا وبين الطبيعة أن مواسم الإنسان لا تأتي دائماً بهذا الترتيب؛ فقد يفاجئنا الربيع ونحن في خريف العمر، وقد تزهر فينا شجرة ظننا منذ سنوات طويلة أنها ماتت، ولهذا، ربما نظل ننتظر تغيّر الفصول!
