في اللحظات العصيبة، حين يتسلل الخوف إلى أعماقنا، وتصبح قلوبنا مثل ريشة في مهب الريح، نحتاج لأشخاص قادرين بمحبتهم على تغيير مجمل المعادلة الصعبة!

إن المحبة تنقذنا في أشد الأوقات ظلمة، فنمتلئ بشعور حقيقي بالثقة. وبالرغم من أنه ليس سهلاً الانتقال من عمق الخوف إلى برد الطمأنينة، لكنه يحدث حين يوجد أولئك الأشخاص الذين يعرفون كيف يسندون أحبتهم حين تتهاوى جدران ثقتهم، أو يوشك الخوف أن يسلبهم وهج قلوبهم ونجاحاتهم!

يحكى أنه في خريف العام 1971، حزمت السيدة (فيروز) حقائبها ورافقت زوجها عاصي وشقيقه منصور لتخوض معهما واحدة من أخطر مغامراتها الفنية: جولة غنائية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الجولة الأولى لها في تلك السنوات المبكرة عندما كانت فيروز في عنفوان مجدها الفني، لكن في زمن لم يكن فيه إنترنت ولا وسائل تواصل تجمع المغتربين اللبنانيين والعرب المنتشرين في أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية!

كانت مغامرة غير مسبوقة، بدأت بالعديد من الأزمات التي هزّت ثقة فيروز في نفسها وفي القرار الذي اتخذته، فمدير المسرح تعامل معها بشكل لم يكن مريحاً، ومتعهد الحفلات اختفى فجأة، وغرف الملابس كانت سيئة، والقاعات كانت معتمة وباردة.

إن الوقوف على المسارح العالمية وأمام جمهور ونقاد وصحافة غربية لم يكن بالأمر السهل في تلك السنوات، ما جعل الرعب يتسلل إلى قلبها طيلة الوقت، وقبل صعودها إلى مسرح قاعة كارنيجي الشهير في مدينة نيويورك، شعرت بالانكسار وكادت تبكي، فهمست لزوجها بخوف: ماذا لو لم يأتِ أحد؟

لحظتها، نظر عاصي في عيني فيروز، وقال جملته الأسطورية: لو لم يأتِ أحد.. غنّي! غنّي للجرائد.. غنّي للكراسي الفارغة.. لكن غنّي!

حين فتحت الستارة كان المسرح الضخم يغصّ حتى آخره بالجماهير، وفي اليوم التالي كتبت الصحافة الأمريكية مقالات نقدية أثنت فيها على خامة صوت فيروز الاستثنائية، وأسلوبها الأدائي المشحون بالعاطفة.

فبعد نجاح تلك الليلة، انفتحت لفيروز أبواب كبرى مسارح العالم (مثل أولمبيا في باريس، ورويال ألبرت هول في لندن)، وفيما بعد عندما كانت تغني بثقة تلامس السماء، لم تنسَ يوماً أنها في ليلة ما.. انتصرت على خوفها بـ«أغنية».