الأرق والنسيان والوجود!

في رواية «مئة عام من العزلة» لماركيز، حدث أن انتشر وباء الأرق في القرية كلها، ما أدى إلى أن فقد أهالي «ماكوندو» القدرة على النوم، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ سرعان ما تطور المرض ليجد الناس أنفسهم وقد بدؤوا ينسون ذكريات طفولتهم، ثم أسماء الأشياء التي يستخدمونها والتفاصيل المحيطة بهم، وكيف يطهون طعامهم، أو يعدون قهوتهم. يكتب ماركيز هذا المشهد بعبقرية وحس إنساني لاذع وعبقري لم يضاهِه أحد فيه، والأمر لا يتعلق بنسيان طريقة إعداد القهوة بالحليب، كان الأمر أخطر من ذلك بكثير!

ما قدمه ماركيز في هذا المشهد الذي يعد أحد أكثر مشاهد الرواية عمقاً يتصل مباشرة بفلسفة الذاكرة والهوية والوجود، أكثر مما يرتبط بتفاصيل إعداد الشاي والقهوة بالحليب، الذاكرة والهوية والوجود هي قيمات مفصلية يتصدى لها الأدب اليوم بشكل واضح، لأن كل هذه التحديات التي نعيشها وسياسات الاجتثاث والإبادة وتغيير الخرائط، تحديداً في الشرق الأوسط، يتصل بهذا المحور: الوجود والذاكرة والهوية.

عندما بدأ الناس في قرية «ماكوندو» يفقدون ذاكرتهم فعلياً: ذكريات طفولتهم، أسماء الأشياء التي يستخدمونها، تفاصيل الحياة حولهم، شؤونهم اليومية، وتسلل الخوف إليهم من نسيان هويتهم ومن هم ومعنى العالم الذي يعيشون فيه، ابتكر «خوسيه أركاديو بوينديا»، أحد أهم أبطال الرواية، وسيلة لحفظ الذاكرة ومقاومة النسيان: بأن توضع ملصقات تحمل أسماء كل الأشياء، فظهرت ملصقات مثل: هذه شجرة، هذه بقرة، هذا حليب.. بل كتبوا ملصقات يشرحون فيها كيف تُحلب البقرة كل صباح، وكيف يُغلى هذا الحليب ويُضاف إلى القهوة!

اليوم ونحن نقرأ ونرى كيف تخلت الأمم عن هويتها، ولبست هويات أخرى وتقمصت ذاكرة وحياة ليست لها، يفوتنا أن نتتبع هذا المأزق الأول الذي مرت به أولاً، النسيان والتخلي، هذا النسيان الذي يتطور إلى فقدان الاسم واللغة والمعنى أولاً، وبالتالي يصل إلى العمق تماماً، تجد الأجيال جيلاً تلو جيل قد فقدت ذاكرتها وهويتها وصِلتها بحقيقة وجودها ومن تكون!

هذه هي عبقرية الأدب، وهذه هي عبقرية «مئة عام من العزلة»: لم يعد الإنسان مهدداً بنسيان أسماء الأشياء فقط، بل بنسيان: المعنى والوظيفة والدور، وعلاقته بحقيقته ووجوده!