يقال إن الكاتب الواثق من فكرته وإبداعه لا يخاف النقد ولا يهاجم المنتقدين، والمجتمع الواثق من نفسه لا يخشى الأسئلة، لأنه لا يرى في الأسئلة تهديداً لوجوده وعلاقاته ولا في كل ملاحظة انتقاصاً من إنجازاته، كما ينظر بعض المسؤولين أو الكتّاب مثلاً!
وهنا لا بد من الحديث عن دور وسائل التواصل الاجتماعي التي أعلت من مسألة الحساسية الشخصية والاجتماعية تجاه النقد. فقد نقلت المنصات الرقمية الاختلاف من فضاء الحوار إلى فضاء الاستعراض، وتأليب النفوس والنفخ في الخلافات وإثارة الفتن، وأصبح الرأي يُقاس أحياناً بعدد المؤيدين والمعارضين، لا بقوة الحجة والمنطق. لذلك لم تخدم منصات التواصل فكرة النقد كثيراً بقدر ما عملت على تراجع المساحات الناقدة وزيادة المساحات الملتبسة، وأصبح الناس مضطرين دائماً لتبرير مواقفهم والاصطفاف: إما مع وإما ضد، وإلا تتهم باتهامات مخيفة ومقلقة.
وهذا من أخطر ما يمكن أن يحدث للحياة الفكرية والاجتماعية في أي مجتمع؛ أن يتحول الاختلاف من فرصة للفهم إلى امتحان للانتماء.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً ألا نحمّل المجتمع كله سلوك فئات أكثر حضوراً أو صخباً على المنصات. فالأصوات الأعلى ليست بالضرورة الأكثر تمثيلاً، وما يبدو إجماعاً رقمياً قد لا يكون سوى نتيجة لخوارزميات تفضّل الإثارة والاستقطاب. كذلك لا ينبغي أن نخلط بين النقد المسؤول وبين التجريح أو نشر المعلومات المغلوطة؛ فحرية الاختلاف لا تعفي صاحب الرأي من الدقة والإنصاف واحترام الآخرين.
ومع ذلك، فإن اشتراط الأسلوب المثالي والعبارة المثالية والتوقيت المثالي لكل نقد قد يتحول، من حيث لا نشعر، إلى وسيلة لإسكات النقد نفسه. فليس كل رأي حاد إساءة، وليس كل سؤال محرج تجاوزاً، وليس كل من يختلف معنا سيئ النية.
لقد حققنا من الإنجازات ما يجعلنا قادرين على النظر إلى أنفسنا بثقة، لا بعصبية، وإلى ما ينقصنا برغبة في التطوير، لا بحساسية من الاعتراف. فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى حراسته من الأسئلة، وإنما يحتاج إلى عقول تحافظ عليه بالنقد والمراجعة والتفكير.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نواجه به أنفسنا: هل نريد مجتمعاً يتفق أفراده لأنهم مقتنعون، أم مجتمعاً يبدو متفقاً لأن بعض أفراده يفضّلون الصمت؟
