حين يصبح الجميع صُنّاع محتوى، من يصنع المعنى؟ هذا السؤال يلخص إشكالية المحتوى المتشابه ومقدمي المحتوى المتكررين على وسائل التواصل! الإشكالية لا تبدأ حين تفتح أي تطبيق لتجد الكثيرين وقد تحولوا إلى طهاة أو موجهين نفسيين أو... الإشكالية تبدأ حين يقرر الكثير من رواد السوشال ميديا أن يصبحوا صُنّاع محتوى؟ فهل يتعلق الأمر بالسعي للشهرة والمال والمكانة؟
إذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أنهم يجب أن يتعاملوا مع ما يقدمونه بجدية واحتراف، فهل يفعلون ذلك فعلاً؟ خاصة ونحن نرى أن معظم الحسابات (هناك حسابات مميزة بلا شك) نسخ متكررة: فتتشابه الرحلات، ووصفات الطعام وموضوعات التنمية الذاتية، وعروض الكتب..!
كنا نقول إن وسائل التواصل قد وسعت فرص ومساحة التعبير، لكن تسرع الكثيرين وعدم حرفيتهم، وقصور تصوراتهم عمّا يستحق أن يقولوه جعل الكثيرين يعيدون إنتاج بعضهم بعضاً!
ليس مطلوباً من كل إنسان أن يكون مفكراً، ولا من كل مقطع أن يحمل رسالة كبرى؛ نريد أن نرى الفن والرقص والطهي والأزياء والنصائح والتسلية.. فكل هذا له مكانه المشروع في الحياة. لكن ما يستحق السؤال هو هذا التزاحم على تقديم الشيء نفسه، وهذه الرغبة في الظهور التي قد تسبق امتلاك ما يُقال.
كأن بعضنا لم يعد يسأل: ماذا أعرف لأقدّمه؟ بل: ما الذي أقدمه كي أستحق أن أتابع وأن يُرى ما أقدم؟ وهنا يقفز السؤال المنطقي: هل يفكر الناس أن يسعوا للمحتوى أياً كان أم أنهم يبحثون عن المعنى والقيمة خلف المحتوى؟
حين نسأل: من يصنع المعنى إذن؟ فنحن لا نطالب بتحول صناع المحتوى إلى مفكرين، بل نسأل: أين معرفة كل شخص وتجربته وصوته الخاص؟ لماذا لا يضيف إلى هذا العالم الذي يتسع لكل الأفكار ما يعرفه وما يخصه، عوضاً عن إعادة ما نجح غيره فيه!
أخيراً فإن المسؤولية لا تقع على صانع المحتوى وحده. نحن، كمتابعين أو متلقّين، نشارك في صناعة ما نشكو منه: نمنح المكرّر وقتنا، ونمرّ سريعاً أمام ما يحتاج إلى شيء من التأمل، ثم نتساءل عن غياب المعنى.
وقد يكون السؤال الأشد إحراجاً لنا جميعاً: هل نبحث عن المعنى حقاً، أم نريده أن يصل إلينا بالسهولة نفسها التي تصل بها التسلية؟
