فلسطين.. المبتدأ والخبر

مفاتيح الخرائط هناك، حيث القصة الحقيقية، فلسطين كلمة السر التي يعرفها الجميع، فلسطين النسخة الأصلية من مفاتيح الاستقرار في المنطقة، بل في العالم.

التوترات الإقليمية غير المسبوقة في منطقة الشرق الأوسط، تؤكد من دون شك أن فلسطين المبتدأ والخبر لمن يريد جملة مفيدة في السياسة، وإذا ما فككناها إلى عناصرها الأساسية، وأعدنا الحقوق للشعب الفلسطيني، فإن الاستقرار يعود إلى الشرق الأوسط.

ويصبح منطقة جاذبة للاستثمار والتعاون الدولي، ويستعيد بحق موقع قلب العالم، وصاحب إرث الحضارات الحيوية الممتدة والمستمرة إلى الآن.

فمن مصلحة الجميع أن تستقر هذه المنطقة الحيوية، ولا يختطفها أحد قراصنة السياسة، مستغلاً ما جرى منذ غزو العراق عام 2003، مروراً بما يسمى الربيع العربي، الذي لا يزال يلقي بظلاله على المنطقة، يشكل الجرح الكبير الذي أضر بالقضية الفلسطينية.

أذكر أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، تحدث مرة وقال: إن هذا الربيع أضر بجوهر القضية الفلسطينية، وجعلها معزولة ومنسية، فكل دولة واجهت هذه المحنة، اهتمت بذاتها ومصالحها الداخلية، وتباعدت عن القضية الفلسطينية.

منذ السابع من أكتوبر إلى لحظة توقف الحرب بانعقاد مؤتمر شرم الشيخ يوم 13 أكتوبر 2025، اكتشف العالم أن فلسطين هي القصة الأصلية، ومنها تفرعت كل القصص والروايات التراجيدية في المنطقة، مثلاً كان لبنان من حظ الجغرافيا الدامية، فقد كان الدولة الأولى التي واجهت إسرائيل منذ عام 1948.

حتمت الجغرافيا على لبنان أن يكون في خط الدفاع الأول عن هوية فلسطين العربية، وخاض جميع الحروب العربية - الإسرائيلية، ولا يزال فصلاً دامياً في تلك الروايات.

وإذا انتقلنا إلى سوريا الحديثة، فسنجد أنها فقدت أراضيها في الجولان، ولا يزال محتلاً، أيضاً كان ذلك نتيجة لتفريعاتها عن القصة الأصلية.. فلسطين.

إذا نظرنا إلى خرائط المنطقة لوجدنا أن مصر كانت الأمة التي دفعت أثماناً باهظة لتلك القصة، منذ عام 1948 إلى الآن، وخاضت حروباً شبه عالمية، سواء في عام 1948 أم عام 1956، أم عام 1967 أم حرب الاستنزاف أم في انتصار أكتوبر 1973، وصولاً إلى المفاوضات الشاقة من أجل السلام واسترداد الأرض، وقد نجحت في ذلك، ولا تزال هي النواة الصلبة للقضية الفلسطينية، والدرع الواقية لإبقاء هذه القصة الأصلية حية تروى في المحافل الدولية، وتبقى كالجمرة في الاستراتيجية العالمية.

نعود هنا إلى تفريعات ثانوية من فصول القصة الداخلية، فنجد أن الحروب التي دارت في منطقة الشرق الأوسط، لم تكن بعيدة عن التخطيط الإسرائيلي، من أجل إرباك واستنزاف أدوات المنطقة - شعوباً ودولاً - نتذكر الحرب العراقية - الإيرانية التي استمرت لثماني سنوات، واستنزفت قدرات البلدين، وخرجا منها خاسرين، وقد اعترف طرفاها بأنهما تورطا في حرب عبثية أهلكت الموارد، وراح ضحيتها ملايين الضحايا من الطرفين.

ونذكر أن غزو العراق للكويت في أغسطس عام 1990 كان نتيجة مباشرة لهذه الحرب العبثية، وكان الحبل على الجرار، فقد اندلعت الحرب في اليمن بين الشمال والجنوب عام 1994، وثمة حروب في مسار أصغر، مثل العشرية السوداء في الجزائر، التي حصدت آلاف الأرواح.

وكذلك الحرب بين الشمال والجنوب السودانيين، والتي أفضت إلى تقسيم السودان إلى دولتين، شمالية وجنوبية، ولا تزال الحرب مندلعة في القسم الشمالي، منذ 15 أبريل عام 2023.

بالتأكيد إذا عدنا إلى لبنان، سنجد أن حرب يوليو عام 2006 هي نفسها الحرب الدائرة الآن في الجنوب اللبناني بنفس الأطراف، وهكذا وجدنا أنفسنا أمام فوضى خلفتها أحداث 11 سبتمبر عام 2001.

ولم تعانِ منطقة عالمية من هذه الأحداث، مثلما عانت منطقتنا، فقد حدث أن تم تدمير دولة العراق، العضو بجامعة الدول العربية، والأمم المتحدة، وإسقاط نظامها، بزعم امتلاكه أسلحة نووية.

كانت فلسطين ولا تزال هي القصة المركزية، حتى في الحرب الأمريكية على العراق، وكانت القضية الفلسطينية سبباً مباشراً في اندلاع فوضى عام 2011، فقد رفع الجميع - المحب والكاره لها - شعار فلسطين، وكأنها «حائط المبكى»، الذي يستخدم في أوقات معينة، برغم أضرار هذه الفوضى بها، كما أشرنا آنفاً.

أخيراً، وسط مسارات تبحث عن حل لهذه القضية المزمنة، بات خروج الإقليم والعالم من منعطفات الخطر، يكمن في استعادة فلسطين لذاتها كرواية تاريخية مؤلمة عنوانها: «الحق الضائع».